آخر اللياقات المحترمة

الحب ينام بعد الثانية عشرة ليلا
في زواج التوأم الأصغر من عماتي كانت الدنيا تغيرت عما كان عليه الوضع عند زواج عماتي الكبيرات غير أن جدتي، بتفويض من جدي، كانت ما تزال تمسك بزمام التشريعات المنزلية التي كانت في اواخر الثمانينيات ترى الخطبة وعدا بالزواج وليس زواجا فكان لا بد من قوانين تضبط علاقة المخطوبين مع الترحيب والتأهيل والاحتضان العائلي، كان من هذه القوانين أنه يسمح بخروج المخطوبين سويا على ان لا يتأخرا في الخارج الى ما بعد العاشرة وطبعا السماح ليس مطلقا ولا بد من أخذ الإذن كل مرة، والموافقة على كل حالة بحالتها، أما داخل البيت فمرحب بالخطيب حتى الساعة الثانية عشرة وهي موعد نوم جدتي، ومن الطرائف ان خطيب عمتي نسي الوقت اوأراد أن “يغطرش” فما كان من جدتي الا أن أطفأت كل الأضواء، وقالت: “يلا تصبحوا على خير”، ودخلت غرفتها فبقي الخطيبان يتحدثان في الظلام فعلا صوتها من الداخل: “قلنا تصبحوا على خير يعني تصبحوا على خير” فما كان من خطيب عمتي الا ان غادر بعدما أدرك انه استنفذ اعذاره، ووقته الضائع، وان الحكم سيطرده من الملعب ان تأخر أكثر!
في هذا الزمن غير البعيد لم يكن أحد يتحدث عن الثقة والقيود والتشديد و”الحنبلية” الزائدة كان هناك قوانين اجتماعية غير مكتوبة ولكنها محترمة وتقاليد مراعاة ولياقات يجب التمسك بها، حتى الفتاة كانت راضية وفي نفسها شيء من الفخر والشعور “بالغلاوة” والمنزلة على قلب أهلها! كانت هذه القوانين الاجتماعية والاخلاقية تترجم مصطلحا كثير الاستخدام وقتها وكان يشكل جزءا من متطلبات البحث عن عروس وهو أن تكون “بنت عيلة” بكل ما يحمله هذا التعبير من أصالة ومحافظة وسمعة طيبة وتصاهر بين عائلتين لا بين فردين.
ورث أبي عن جدتي ذات النفس “الحمش” ومازح زوجي مرة أنه كاد ينزل له ويضربه “بكس” مرتب لما زمر لي أول مرة بعد الخطبة لأنزل بالرغم من أنه أخذ الأذن بالخروج وقال في نفسه “من هذا الذي يزمر لابنتي؟!”.
مرت الخطبة بسلام بالرغم من قوانين جدتي ومر الزواج بسلام أكثر وكان الحب والاحترام عنوانه وآخر كلمة لجدي لكل خطيب في حفل العرس (هذه أمانة عندك) فما بالنا أصبحت حياتنا “شوربة” ولا قوانين ولا عادات ولا لياقة وقد حصدنا الحصرم في الزيجات التي تنفك لاتفه الأسباب بعد ما كان من حب جارف لا يستند الى قاعدة متينة؟!

البنات بنات كل الحارة وعِرض الجميع
تروي عمتي انها ذهبت في مشوار مع صديقاتها من جيرانهم وتأخرن بعد المغرب وكانت الدنيا عطلة في فصل الصيف والشوارع عامرة وهن عائدات رأتهن السيدة العجوز الأكبر سنا من نساء الحارة فما كان منها الا ان صاحت فيهن “الله يكسر رجليكم شو بتعملوا برا البيت لبعد المغرب” فلما سمعت جدتي البهدلة انتظرت عماتي على الباب وأكملت ما بدأته جارتها من العقاب على التأخير! لم تخرج جدتي لجارتها لتقول لها ما دخلك؟ لا يحق لك ان تتحدثي مع بناتي بهذه الصورة! من تظنين نفسك مختارة الحارة؟ لا لم يحصل شيء من ذلك فهذه الجارة كانت جزءا من منظومة كان فيها الجار القريب كالأخ يقف معك في كل أفراحك وأتراحك
كان للعائلات سمعة يُحرص عليها وشوارعها الخارجية كداخل البيت يُعرف من يدخل اليها ومن يخرج منها والغريب يُلمح بمجرد دخوله! كانت المسؤولية الاجتماعية تشمل الجميع ولكل دوره كبيرا وشابا وطفلا في الحفاظ على قوانين الحارة!
اليوم اقتربت عماراتنا “لنتهاوش” أكثر ونتباعد أكثر ونقف لبعض على الكلمة والنظرة ونكتفي بصباح الخير ومساء الخير على أحسن الأحوال!
اليوم ندخل ونخرج على هوانا دون أن يسألنا أحد واننا وان كنا نقدر الثقة الا اننا احيانا نفتقد الحرص ومعنى ان نكون مهمين وغالين على أهالينا، حرص التفقد والاهتمام الفطري لا حرص المتابعة والظن!
نظن في كثير من الأحيان أن جيلنا أفضل حالا من آبائنا وأن التقدم خدمنا! نقيس الامور ماديا وننسى ان المجتمعات بروحها وبنيتها القيمية لا فقط بتطورها التكنولوجي وامتدادها العمراني!
يا ليت الزمان يعود يوما ليظللنا بخيمة عامرة تسندها اخلاق متينة وتعمرها قلوب متحابة ولياقة تكسب الحياة جمالها ورونقها.ص

Next Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تابعونا على فيسبوك