أردوغان – هديّة التاريخ

أردوغان يا زهرةً تفتحت في حر الصيف في وقت جفت فيه جميع الأعشاب في الشرق الأوسط، والذي أصبح فيه الموت والقتل والإبادة الجماعية سمةً له. إنه حقًا عصر الانحطاط لغالبية دول العالم العربي والإسلامي. لقد تمرد قلمي يا أردوغان وأبى أن يكتب عن أي موضوع سوى موضوع رجولتك وعظمتك. لقد نعتك رئيس جهاز مخابراتك ب “هدية التاريخ” وأنا أوافقه الرأي، فأنت هدية التاريخ و”هبة الله” حقًا ليس لتركيا وحدها بل للشعب الفلسطيني وعالمه العربي والإسلامي. يا بصيص أمل الأمة الإسلامية في استعادة كرامتها التي هجرتها منذ سنوات طوال. يا بصيص أمل المظلومين في الأرض بالتخلص من ظلمهم. يا من تُلقنُ، في أيامنا، العالم كله دروسًا في الرجولة لتثبت لهم أن الرجل هو كل من تحلى بصفات الشهامة والمروءة والنخوة والتحدي والرحمة والعفو عند المقدرة ولم يقبل الضيم والهزيمة والتخاذل ووقف مع الناس في شدّتهم وأزمتهم فنصر الضعيف وأخذ على يد القوي الظالم. يا من جعل الرحمة شعارًا له وجعل الله مسيرًا لخطواته وآمن ايمانًا عميقًا بالقضاء والقدر.
لقد أصبح رجب طيب أردوغان (من مواليد اسطنبول عام 1954) أسطورة زماننا، فقد تسلّم المناصب القيادية منذ شبابه. التحق أردوغان بكلية العلوم الاقتصادية والتجارية بجامعة مرمرة وتخرج منها عام 1981. وعندما كان رئيسًا منتحبًا لمدينة اسطنبول قام باستثمارات ضخمة في المدينة وصلت إلى 4 مليار دولار. وفي 14 آب 2001 قام، مع أصدقائه، بتأسيس حزب “العدالة والتنمية” واختير رئيسًا للحزب. وفي انتخابات 2002 فاز حزبه بأغلبية ثلثي مقاعد البرلمان. وفي 15 آذار 2003 تولى منصب رئاسة الوزراء وشرع في تنفيذ حُزَمِ إصلاحية حيوية مهمة من أجل تحقيق حلمه المتمثل في تنمية مستديمة لتركيا. كما أنه قطع أشواطًا في طريق التحول الديموقراطي والشفافية ومكافحة الفساد. لقد تمكن أردوغان من السيطرة على التضخم المالي الذي عانت منه تركيا سنوات طويلة، وأعاد للعملة التركية مكانتها فشهد دخل الفرد في عهده زيادة ملحوظة. لقد أقام الجسور (أشهرها جسر غازي عثمان- 3.5كم) والسدود والمدارس والمساكن والمستشفيات ومحطات الطاقة وعبّد الطرق وأحدث ثورة صناعية في بلاده. كل ذلك كان بسرعة لم يسبق لها مثيل في تاريخ تركيا حتى أن الغربيين سمّوا هذه الإنجازات بــ”الثورة الصامتة”، وفي انتخابات 20 تموز 2007 نجح على رأس حزبه للمرة الثانية بتشكيل الحكومة. وفي انتخابات حزيران 2011 نجح للمرة الثالثة في تشكيل الحكومة. وأخيرًا جاء انتخابه رئيسًا للجمهورية في يوم الأحد 10 آب 2014 ليكون الرئيس الثاني عشر لتركيا الحديثة… ونرجع ثانية الى أمثلة على رجولة أردوغان وعلى إيمانه العميق وإعلائه كلمة الله: المثال الأول يتمثل باستقباله مليون نازح عراقي بعد نكبة العراق، ومنحهم الجنسية التركية. والثاني استقباله 2 مليون نازح سوري وإيواء غالبيتهم في شارع محمد الفاتح في إسطنبول وتشغيلهم، والإعراب عن نيته مؤخرًا بمنحهم الجنسية التركية. والثالث يتمثل بقصة الثلوج والفيضانات التي دمرت 300 خيمة في “مخيم كيليس” لللاجئين السورين داخل الحدود التركية حيث وصل الخبر إلى رئيس الحكومة التركية، آنذاك، أحمد داوود أوغلو فأرسل سيارات جيش وناقلات فنقلت جميع الأسر التي غرقت خيامهم، أو مساكنهم الموقتة، إلى قاعة رياضية ضخمة في تركيا وأدفأوهم وألبسوهم ملابس جديدة وأطعموهم وضمنوا لهم نوما هادئًا تلك الليلة. وفي اليوم التالي نُقل جميع أطفالهم إلى قصر الرئاسة في أنقرة، حسب طلب أردوغان حيث تناول معهم وجبة العشاء. وأما الرابع فيتمثل في بناء أردوغان مسجدين من أضخم المساجد في تركيا والإشراف على بنائهما شخصيًا. أما الأول فقد بناه في داخل المجمع الرئاسي في أنقرة (بجانب القصر الجمهوري) وله أربع مآذن ومساحته 5175 مترًا مربعًا وافتتحه في 3.7.2015. وأما الثاني فهو أكبر مسجد في تركيا وقد أشرف أردوغان بنفسه على بنائه وهو “مسجد شامليجا “حيث يرتفع هذا المسجد على تلة شامليجا الخضراء في الجانب الآسيوي من إسطنبول. وتبلغ مساحته 15 ألف متر مربع ويتسع لـ 60 ألف شخص وفيه مكتبة ضخمة وقاعات محاضرات ومتحف للفنون الإسلامية التركية. وللمسجد 6 مآذن شاهقة الارتفاع، وقام بافتتاحه في 2.7.2016. وأما الموقف الخامس فظهر في رأيه الثاقب السديد وجرأته في هبوطه في مطار إسطنبول (مطار أتاتورك) وقت الانقلاب الفاشل الأخير ضده في يوم الجمعة 15.7.2016 بعدما طلب من الجماهير النزول إلى الشوارع والتصدي للانقلابيين. وعندما سُئل عن خطورة الهبوط في المطار أجاب أنه مؤمن بالله وبالقضاء والقدر وإن الموت حق. وأما الموقف السادس فيتمثل في غرسه الرجولة والبطولة في شعبه الذي احبه، فما زرعه قد جناه. لقد توجه إلى الشعب عبر شاشة الخلوي منقولة عبر 4 قنوات تلفزيونية للتصدّي للانقلابيين بأجسادهم، كما توجه إلى الأئمة في المساجد والمؤذنين برفع الأذان ومناداة الناس بالخروج إلى الشوارع. هكذا نزلت الملايين إلى الشوارع في المدن وخصوصًا مدينة إسطنبول التي تركز فيها الانقلاب على جسر البوسفور وفي مطار أتاتورك. ولا ننسى تلك المرأة التركية (اسمها شريفة) نزلت من بيتها وأدارت شاحنة زوجها فساقتها وتوجّهت إلى جسر البوسفور، وأوقفت الشاحنة بشكل يغلق الشارع تمامًا وذلك لمنع دبابات هؤلاء الانقلابيين من التوجّه إلى داخل إسطنبول… ونجح أردوغان وفشل الانقلابيون بتصدي الشعب التركي لهم في كل مكان تواجدوا فيه. وظهر البطل يخطب بشعبه ويحييه على وقوفه مع الديمقراطية والشرعية ويرد بحسم على ألمانيا الغربية ويقول لها: “أنتم تدعمون الإرهاب، لقد دعمتم المنظمة الإرهابية حزب العمال الكردستاني وسيرتد عليكم هذا الارهاب”، كما ورد على النمسا وعلى فرنسا في مواقفها المتخاذلة والمنافقة. وأما مندوب المخابرات الأمريكية الذي تطاول على تركيا فقال له “الزم حدك”. وأما الموقف السابع فيتمثل بتغيير اسم جسر البوسفور ليصبح “جسر شهداء 15 تموز”، ودفن الشهداء الذين قاوموا الانقلاب في مقبرة سُميت “مقبرة الشهداء” وأما قتلى الانقلابيين فدُفنوا في مقبرة تبعد عن إسطنبول 3 كم وأطلق عليها اسم “مقبرة الخونة”. وجاء الموقف الثامن– دعوته لاجتماع مليوني في إسطنبول في السابع من هذا الشهر ليظهر للعالم أن الشعب كله يقف ضد الانقلابيين، وليؤكد كذلك وحدة الشعب التركي في حماية وطنه وحماية الديمقراطية. عقد هذا الاجتماع فأصبح حشدًا شعبيًا سُمي بــ “حشد الديمقراطية والشهداء” في ميدان “يني كابي” حضره 5 ملايين تركي بأحزابهم المختلفة. وبهذا أظهر أردوغان ضخامة الدعم لموقفه وأظهر وحدة الشعب التركي ووقوفه خلف زعيمه. وأما الموقف التاسع فيتمثل بتحدي الغرب وأميركا بزيارته لروسيا في التاسع من هذا الشهر لإعادة العلاقات معها كما كانت عليه قبل إسقاط الطائرة الروسية في 24.11.2015 ولمحاولة إيجاد حل للأزمة السورية. وأخيرًا أقول: “حماك الله يا أردوغان من غدر الغادرين في كل مكان وجعلك مبشرًا ببزوغ فجر جديد للأمة الإسلامية لتكون لها عنوانًا، وليس عبثًا أن اسمك رجب طيب أردوغان!

Next Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تابعونا على فيسبوك