الفصح والإسراء

الفصح والإسراء

أصحاب موسى عليه السلام وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم

أعماق البحر وأعالي السماء

ليست مقارنة ولا مفاضلة بين نبي الله موسى عليه السلام، وبين رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. ومع قناعتي وإيماني وعقيدتي بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو خير خلق الله، وأنه خاتم النبيين، وأنه سيد ولد آدم، وهو الذي قال؛ وقد رأى عمر رضي الله عنه يقرأ في رقعة كتب عليها بعض آيات من التوراة: (والذي بعثني بالحق لو كان أخي موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعي).

فإن لم تكن هي المقارنة بين الكريمين الجليلين موسى الكليم ومحمد الحبيب، إلا أنها المقارنة بين أصحاب كل منهما، خاصة وأنها اثنتان من المناسبات والذكريات، بل المعجزات نعيش ذكراهما في هذه الأيام.

أما الأولى فإنها ذكرى خروج بني إسرائيل من مصر، ونجاتهم من ظلم وبطش فرعون، وهي المناسبة التي يحتفل بها اليهود هذه الأيام تحت مسمى “عيد الفصح” والخروج من مصر، والتي كان عبور البحر بعد انفلاقه، بعد أن ضرب موسى البحر بعصاه، من أهم وأبرز وأعجب مفاصل ذلك الخروج، حيث نجاة بني إسرائيل وغرق فرعون وجنوده: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم \ الشعراء 63).

 وأما المناسبة الثانية، بل المعجزة الثانية فإنها خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى القدس، ومنها إلى السماوات العلى، ثم العودة إلى مكة حيث ما يزال فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم دافئا، في دلالة على سرعة إنجاز تلك الرحلة التي سميت وعرفت باسم رحلة ومعجزة وكرامة الإسراء والمعراج، والتي سنحتفي نحن المسلمين بذكراها يوم الأربعاء القريب -27 رجب 1437- (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير\ الإسراء 1).

 تُرى كيف كانت ردود فعل ومواقف من عايشوا هاتين المعجزتين من أصحاب موسى وأصحاب محمد؟ وكيف كانت طبيعة العلاقة من الأصحاب لهذين الكريمين الجليلين عليهما الصلاة والسلام؟

لقد عاش أصحاب موسى عليه السلام لحظات الرعب والخوف والقلق لما رأوا غبار جيش فرعون يلحق بهم، وقد ملأ السماء، وأوشك الجيش أن يدركهم، وقد أصبحوا بين فكي فرعون وجنوده من جهة والبحر الذي وصلوا عند ساحله وسيبتلعهم إن هم دخلوا فيه من جهة أخرى. وهنا تعالت أصوات ونداءات بني إسرائيل: (قال أصحاب موسى إنا لمُدرَكون\ الشعراء 61) أي أنهم أدركونا ولحقوا بنا، فماذا نفعل؟ وإلى أين نذهب؟ فكان الجواب من موسى عليه السلام جواب الثقة واليقين واستشعار معية الله تعالى لما قال: (كلا إن معي ربي سيهدينِ\ الشعراء 62). إنه نفس منطق وجواب أخيه محمد- صلى الله عليه وسلم- عندما أوشك مطاردوه من كفار قريش أن يمسكوا به في الغار، وقد خاف أبو بكر رضي الله عنه، ليس خوفا لجبن، ولكنه خوف الحرص على رسول الله، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مطمئنا: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما). قال سبحانه: (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا\ التوبة 40).

لقد أمر الله سبحانه موسى فضرب البحر بعصاه فانفلق فلقتين، ووقف الماء من كل جهة كأنه عمود الصخر، ونزعت منه خاصية الانسياب، ومشى موسى ومن معه على أرض قاع البحر اليابس الجاف. وسلِم موسى وسلم أصحابه، وكان تعدادهم 630.000، وغرق فرعون وجنوده لما دخلوا البحر فأطبق عليهم بأمر الله سبحانه، ثم عاد البحر ولفظ جثة فرعون ليكون آية وعبرة. لقد كان الفارق بين جواب موسى وبين جواب رسول الله, أن موسى قال: (كلا إن معي ربي..) فتحدث بلغة المفرد أن الله معه هو، لعلمه بأن أكثر قومه في دينهم غش وشك، بينما قال رسول الله (إن الله معنا)، فتحدث بلغة الجماعة، مع أنه لم يكن معه إلا أبا بكر، في إشارة إلى أن أبا بكر كان أمة بإيمانه وفضله- رضي الله عنه.

وإذا كان هذا هو الفارق بين الأصحاب في قصة البحر وقصة الهجرة، فكذلك كان الحال، بل أعظم، في قصة الإسراء والمعراج.

إن أصحاب موسى، وما إن خرجوا من البحر، وقد رأوا كيف عاد الماء وانساب وأغرق فرعون بينما هم لم تبتل لهم قدم، في معجزة خارقة تلين كل قلب قاس، لكنها لم تفلح في تليين قلوب بني إسرائيل، الذين ما إن عبروا البحر حتى وجدوا أقواما يعبدون الأصنام، وإذا بهم ينسوْن قدرة الله وعظمته فيطلبون من موسى أن يجعل ويتخذ لهم أصناما يعبدونها مثل هؤلاء القوم: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوْا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة\ الأعراف 138).

فإذا كان حال أصحاب موسى التشكيك والزيغ والهوى والميل لعبادة الأصنام، ولم تتوقف عندها فقط، وإنما هم أصحاب مقولة: (… يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة\ البقرة 55)، مع أنهم رأوا آيات فلق البحر بأعينهم، بل داست في قاع البحر اليابس أقدامهم, فإذا كان هذا حال أصحاب موسى، فإن حال صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ملؤه الثقة واليقين والتصديق، لما جاء مشركو قريش يريدون التشكيك ودق الأسافين بين رسول الله وبين أبي بكر، بعد أن سمعوا رسول الله يقول إنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس، ومنها عرج به إلى السماوات، ثم رجع إلى مكة في نفس الليلة، بل في شطر منها، فذهبوا إلى أبي بكر مشككين، ليسمعوا ما يقول، وإذا بأبي بكر رضي الله عنه يقول: أهو قالها؟ قالوا: نعم قالها، فقال: إن كان قالها حقا فقد صدق).

هذا هو الفارق بين أصحاب من صعد إلى السماء، وبين أصحاب من نزل إلى قعر البحر، بين الصدِّيقين وبين المشككين.

إن أصحاب موسى، وما أن أوشكوا أن يقتربوا من الأرض المقدسة “فلسطين”، وقد قال لهم موسى إن فيها قوما جبارين، وذلك ليستعدوا ويتهيأوا، وإذا بالجواب الصادم من أصحاب موسى يأتي سريعا ومباشرا بلا تردد: (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون\ المائدة 34).

بينما أصحاب رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، قد سطرت كتب السيرة موقفهم عند معركة بدر، لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لملاقاة قافلة قريش، ثم علم رسول الله أن قريشا قد سمعت بخروجه فأرسلت جيشها لمقاتلة رسول الله الذي ما خرج أصلا للقتال، وإذا بالنبي يستشير الصحابة، يريد أن يسمع موقفهم، فكان جواب المقداد بن الأسود- رضي الله عنه- بوضوح وجلاء وبلا تلعثم: (والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك)، وأشار إلى البحر الأحمر، نفس البحر الذي انفلق لأصحاب موسى الذين قالوا له: اذهب أنت وربك فقاتلا. وإذا بأصحاب رسول الله يقولون له لو خضته دون ان ينفلق لخضناه معك.

إنهم أصحاب موسى عليه السلام، ورغم ما رأوا من الآيات البيّنات والمعجزات والخوارق رأيَ العين، بدءا من انفلاق البحر وغرق طاغية مصر فرعون، ومرورا بنزول المن والسلوى، وقصة البقرة وإحياء الميت ونطقه بمن قتله وغيرها من الآيات، رغم كل هذا فإن موسى عليه السلام ما ازداد معهم إلا عذابا وألما وصدودا, بل وتطاولا عليه، حتى أن الله سبحانه سطر هذا في محكم التنزيل لما قال: (يا أيها الذين امنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا، وكان عنه الله وجيها\ الأحزاب 69). إنهم أصحاب موسى؛ أصحاب الذمم الوسيعة والألسن الطويلة، وقد كانوا يغتسلون مجتمعين في الماء عراةً كيوم ولدتهم أمهاتهم، رغم أن موسى كان ينهاهم عن ذلك، إلا أنهم ولسوء أدبهم كانوا يطلبون منه أن يفعل فعلهم، فلما أنه لدينه وورعه وأدبه كان يرفض ذلك، فإنهم أشاعوا بينهم أن موسى لا يفعل ذلك تأدبا وتدينا، وإنما لأنه لا يريد التعري لأنه مصاب بالبرص، وأن جلده فيه من التشوه ما فيه، وأنه يريد إخفاء ذلك. هكذا بكل قلة أدب وعدم احترام آذوه ونالوا منه عليه الصلاة والسلام، بينما الله جل جلاله في قرآنه يصفه بأنه كان وجيها فاضلا ورعا، عليه الصلاة والسلام.

وفي المقابل فإنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس أنهم لم يؤذوا رسول الله ولم يهمزوا بجسده بأن فيه برصا- بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه- بل إنهم الذين كانوا يتلهفون ليشربوا مما بقي من الكأس التي شرب منها، لأنهم يعتبرونه شفاء, بل إن ماء الوضوء الذي كان يتوضأ به صلوات الله وسلامه عليه فإن منهم من كانوا يمسحون به أجسادهم تبركا وتقربا منه ومن جسده الطاهر صلى الله عليه وسلم.

بل إنه الصحابي الجليل سواد بن غزية، وقد كان واقفا في صف القتال يوما، فوكزة النبي صلى الله عليه وسلم بعود في يده بعد أن رآه خارج الصف المستقيم قائلا له: (استو يا سواد) فتظاهر سواد بالألم وهو يقول: لقد أوجعتني يا رسول الله، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن خاصرته، تماما مثلما وكز سواد في خاصرته وقال له: “اقتد يا سواد”، أي اقتص مني، فاقترب سواد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولمس جسده تبركا بعد أن تظاهر أنه يريد القصاص.. والأمثلة أكثر من أن تُحصى،

لنرى الفارق إذًا بين من أرادوا الهمز واللمز والتطاول على موسى عليه السلام من أصحابه، وبين من كانوا يتبركون وهم يجالسون رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يلامسونه.

إنهم أصحاب موسى إذًا، وإنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ أولئك الذين يحتفلون اليوم بـ”عيد الفصح” ذكرى خروجهم من مصر ونجاتهم من ظلم وطغيان فرعون، بينما هم الذين يمارسون نفس الظلم والطغيان، فإذا كان فرعون يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم، فإنه نفس الفعل يفعلونه اليوم مع أتباع محمد صلى الله عليه وسلم (وإذ نجّيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم\ البقرة 49).

وأين وفيمن يقدم أتباع موسى على قتل الأطفال وإهانة النساء وضربهن وشتمهن؟ إنهم يفعلون ذلك مع أتباع وأحفاد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، تحديدا في القدس وفلسطين وحول المسجد الأقصى، حيث كانت المعجزة التي أكرم الله بها محمدا صلى الله عليه وسلم، معجزة الإسراء والمعراج التي نحتفي بذكراها نحن المسلمين يوم الأربعاء القريب 4-5 وفق 27 رجب. وليس هذا وحسب، بل إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد صلى بكل الأنبياء إماما في المسجد الأقصى ليلة الإسراء، وفيهم أخوه الكليم موسى، في دلالة على تسليم الراية والاقتفاء والاتّباع.

نعلم أن هذا الكلام ثقيل على آذان أحفاد أصحاب موسى، تماما مثلما كان كلام موسى عليه السلام ثقيلا عليهم، فكانت آذانهم صماء وقلوبهم غلف، فإن أحبوا سماع كلامنا فمرحبا، وإلا فإنها الحقيقة فنقولها بالصوت العالي: نحن أحق بموسى منهم. السلام عليك يا كليم الله, السلام عليك يا حبيب الله، محمد وموسى، السلام عليكما ورحمة الله وبركاته.

Next Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تابعونا على فيسبوك