الكروش والقروش

أُعلنت حالة الطوارئ والتعبئة العامة. لم يعلن أيٌ من الزعماء السياسيين ولا العسكريين أننا مقدمون على حرب طويلة الأمد، ولكن وسائل الإعلام بشّرت بقدوم شهر رمضان المبارك ربما في السادس من الشهر القادم. فأية طوارئ وأية تعبئة هذه؟ إنها هجوم الناس على محلات بيع المواد الغذائية والخضروات وعلى محلات بيع اللحوم لشراء ما يلزم وما لا يلزم. وأما التعبئة فهي تعبئة المطابخ والثلاجات بما يرضي النفوس والشهوات. فمنهم من سيصوم لأن الصيام من أركان الإسلام، ومنهم من سيصوم لأنه يخجل من الإفطار أمام أبناء أسرته الصائمين، ومنهم من سيصوم كعادة، لأن الناس سيصومون، واذا سأل المُشغّل اليهودي “يعقوب” أحد هؤلاء يقول له: “إنني غير متدين ولكني صائم لأن أفراد مجتمعي كلهم صائمون ولا أريد أن أكون من الشواذ فـ “الموت مع الناس نعاس”. ومن أهم الظواهر التي لفتت انتباهنا في شهر رمضان في السنتين الأخيرتين، والتي يجب أن نتطرّق إليها وندينها ونشجبها لأنها تتناقض مع الدين والعرف والأخلاق الحميدة، هي ظاهرة موائد الإفطار الأسرية التي تُصرف عليها ملايين القروش وآلاف الشواقل لتحتوي على أفخر المأكولات كـ “أيدي وأفخاذ الخروف المحشية” و “القصوص المحشية” و “رقبة الخروف المحشية” و “الدجاج المحشي” – وكلها طبعًا محمّرة في الأفران، وما يزاحمها على المائدة من “الأرز المفلفل” الذي يعتليه الصنوبر واللوز وأنواع أخرى من المكسرات، وكذلك ” الدوالية” و”المقلوبة” و”القبة” و”سمك الدنيس المشوي والمقلي” و”الكوسا المخشي باللبن” وأنواع كثيرة من “المعجنات “و”الحمص” وأنواع مختلفة من “السلطات” – ” سلطة يونانية” (مبروشة وعليها جبنة)، “سلطة الذرة بالمايونيز”، “سلطة الملفوف الأبيض والأحمر”، “السلطة العربية” و”التبولة” و”المخللات”. هذا عدا المأكولات الجديدة المأخوذة عن العم جوجل واليوتيوب والتي لا نعرف أسماءها. بالإضافة الى عدة أنواع من المشروبات الغازية وعلى رأسها الكوكا كولا. وعلى المائدة كؤوس فارغة فاخرة في أعلاها محارم ملفوفة حمراء اللون لتتناسب مع الشرشف الأحمر المفروش على الطاولة، وعلى طرف المائدة “سدر” من الكنافة. أما الكراسي فتكون مكسوة بكساء خاص يتناسب مع هذا الجو الرومانسي. والأدهى من ذلك كله أن أفراد الأسرة يصطفون للتصوير حول هذه المائدة، ومن ثم يقوم المبادر بالعملية كلها بإرسال هذه الصورة ونشرها على الفيسبوك حاملة اسمه وصوره حيث يكتب هناك: “إفطار أسرة فلان”. وفي اليوم التالي يكون هذا الإفطار حديث الطلاب في المدارس. السؤال هو: ماذا سيقول أبناء الفقراء الذين يفطرون على “طبخة عدس” أو” مجدرة” مع صحنين لبن وصحنين حمص؟ إنهم سيتوجهون حتمًا إلى أمهاتهم ويطالبون بنفس الإفطار المعروض في الفيسبوك، وعندها سيواجهون الحقيقة المرّة، بأن أسرهم ليس بمقدورها توفير ما رآه هؤلاء الأبناء. ومن هنا تتطور الكراهية بين أبناء الصف الواحد ومن ثم تتحول إلى عنف. فعلاً .. ظاهرة ” مائدة الإفطار الفاخرة” تخدش الحياء، ولكنها لا تثير الضجة وردود الفعل عند الناس ولا تخرج بسببها المظاهرات، وذلك لأن العدوى قد انتشرت، وإذا ما سألت واستغربت يقولون لك “الأمر عادي جدًا، ألا تتابع الفيسبوك وما ينشره الناس؟”. لقد اصطدمت بهذه الظاهرة عندما كنت أدفع الحساب بعد شراء متواضع لبعض اللحوم في محل اللحوم، وإذا بشاب “صاحب كرش” يقول للعامل الذي يقطّع اللحم “اقطعلي ايد خروف وزبطها مليح لأني سأنشر صورتها وهي محمرة على الفيسبوك في إفطار اليوم”. إنّ ما ذُكر أعلاه لهو تبذير وإسراف وتفاخر وتباهي. وهذا ما لا يقبله الله ولا يقبله الناس، إذ يقول تعالى، وهو أصدق القائلين: “وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) (سورة الاسراء).
… يا حسرتاه نلاقيك يا رمضان ونحن نحمل آلام المسلمين المنكوبين في شتى أنحاء الأرض وعلى رأسهم المحاصرين والجوعى في الفلوجة (في العراق)، والتي مُنع عنها الغذاء منذ 10 أشهر حتى وصل الأمر بامرأة وولديها أن ينتحروا في الماء من الجوع. وكذلك الجوعى المحاصرين منذ سنتين في سوريا- في داريا وحلب ومضايا (المحاصرة منذ سنتين من قبل حزب الله) ومخيمات المشردين السوريين الذين لم يبقى لهم حجر ولا شجر ولا لقمة عيش. ولا ننسى الأطفال الذين يموتون جوعًا في “أرض الصومال” التي حل بها المَحْل وانقطع عنها المطر عدة سنوات فنفقت المواشي وجاع الناس بحيث ترى الأطفال كهياكل عظمية. فكيف نربي الكروش وإخواننا يموتون جوعًا، أو ما يسميه الأطباء (الموت نتيجة سوء التغذية)!
ربما تكون القروش طريقًا لسعادة البشر إذا ما توفرت باقي أسباب السعادة وإذا ما صُرفت بطريقة شرعية. ولكن هذه القروش تشكّل أحيانًا شرًا على أصحابها وتلقي بهم في نار جهنم لتكتوي جباههم بهذه القروش، خصوصًا وأن أغلب هذه القروش قد كرست للأطعمة الشهية والمشروبات الزكية التي فاقت حدودها فكوّنت الكروش البشعة التي تشوه منظر الانسان لتناقضها مع الآية: “لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم” (سورة التين 4). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا السياق: “ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطن، حَسبُ الآدمي لقيمات يُقمن صلبه، فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس”. وهكذا شبه الرسول البطن (المعدة) بالوعاء وأخبر أن ملء هذا الوعاء بكثرة الأكل شر على الانسان ونصح بالاكتفاء من الطعام على قدر الاحتياج. ومن ناحية أخرى أثبتت الأبحاث العلمية صحة هذا الحديث. فالإفراط بالأكل والشبع المفرط يؤديان إلى: 1) التخمة. 2) الإضرار بالقلب. 3) إضعاف القوى والبدن، حيث لا يقوى البدن إلا بحسب ما يقبل من الغذاء لا بحسب كثرته. وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: “إياكم والبطنة فإنها مفسَدة للجسم، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة، وعليكم والقصد فإنه أصلح للجسد وأبعد عن السرف…”، رواه ابن نعيم. هذا ويقول الكثيرون أن الشبع “بدعة” ظهرت بعد القرن الأول الهجري. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء” (متفق عليه). أما وصف الشبع بأنه بدعة- إن صح، فمعناه أنه سلوك جديد على المسلمين لم يكن موجودًا في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذي رغب في عدم الإكثار من الطعام في أحاديث كثيرة.
أما بالنسبة للصوم نفسه فذكر في الحديث القدسي الشريف: ” كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”. الصيام مدرسة الصبر ويعتبر من أهم أسباب التقوى، وأما العبر منه فهي: 1) تعزيز قدرة المسلم على ترك الحرام وذلك بتمرينه على ترك الحلال في أوقات جعل الله، عز وجل، فيها الحلال حرامًا. 2) تربية النفس على الإرادة وقوة التحمّل، فالصوم يهذّب النفس ويضبطها حيث يحبسها عن الشهوات ويفطمها عن المألوفات. 3) الصوم يعزز الجانب الروحي على البدني عند المسلم حيث يتفرغ لهذا الجانب ويجعله في سلم أولوياته. 4) في الصوم قهر للشيطان. 5) الصوم موجب للرحمة والعطف على المساكين، فإن الصائم إذا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات تذكر من هذا حاله في جميع الأوقات، فتسرع إليه الرقة والرحمة والإحسان إلى المحتاجين.

Next Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تابعونا على فيسبوك