الموصل الحدباء يا أخت المجد

الموصل؛ هذه المدينة التي بات اسمها يرن في آذاننا عشرات، بل مئات المرات كل يوم ونحن نتابع أخبار معاناتها. الموصل مدينة عراقية، لكنها واحدة من حواضر الإسلام ومعالمه التاريخية والفكرية والحضارية؛ مثَلُها كمثل بغداد ودمشق والقاهرة والقيروان وحلب ومراكش، وتزيد عنها مكة والمدينة والقدس بأن فيها المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها.
لن أكتب تحليلا سياسيا، ولا رؤية عسكرية لمآل الأحوال في الموصل، ولكنني سأنبش التاريخ وأقلّب صفحاته لأوقف القارئ الكريم على أن ما يجري للموصل ليس وليد الصدفة، وإنما هو الكيد والانتقام من المجد والتاريخ والشرف الذي حازته الموصل وحازه أهلها.
الموصل مدينة عربية سكنتها قبائل عربية، على الأقل 500 سنة قبل الميلاد، وتشرفت الموصل بدخولها في الإسلام وأهلها خلال خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وذلك في العام 16 للهجرة.
الموصل كلمة عربية تعني أنها تقع في ملتقى طرق يصل بين أقطار ومواقع مختلفة، ولذلك سميت بالموصل. وتسمى موصل الحدباء لأن نهر دجلة يمر فيها، وفيه تعرجات كثيرة. وتسمى “أم الربيعيْن” لأن فصل الخريف فيها يشبه فصل الربيع. وتسمى أيضا الفيحاء لجمال ربيعها وكثرة أزهارها. قال الشاعر:
سقى ربا الموصل الفيحاء من بلد     جود من المزن يحكي جود أهليها
أهل الموصل أهل الدين والأخلاق والشهامة؛ كما وصفهم الرحالة ابن جبير لما قال: (وأهل هذه البلد-الموصل- على طريقة حسنة يستعملون أعمال البر, فلا تلقى منهم إلا ذا وجه طلْق وكلمة لينة، ولهم كرامة للغرباء، وإقبال عليهم، وعندهم اعتدال في جميع معاملاتهم، وهم متمسكون بدينهم، ويحافظون على تقاليدهم وعاداتهم الحسنة، ولا يتساهلون في شيء منها. وإذا رأوا منكرا أو ما ينافي الدين يستنكرونه، ومما يدل على شدة تمسكهم بدينهم ما كان عندهم من المساجد والجوامع). وأما المؤرخ القزويني فيقول في أهل الموصل: (وأهلها أهل الخير والمروءة والطباع اللطيفة في المعاشرة والظرافة).
اشتهر أهل الموصل، ومن خلال موقع مدينتهم، بالتجارة وخاصة النسيج، حيث اعتبرت الموصل مدينة صناعية؛ كما يقول الشيخ محمد محمود الصواف؛ ابن مدينة الموصل: (فلا تجد بيتا من بيوت الموصل إلا وفيه ما تسميه “جومة”، وفيه مصنع نسيج. وكان القصارون (الصباغون) يصبغون الثياب الكبيرة وينشرونها في الشمس. وعموما كانت في البيوت الكبيرة مصانع للنسيج تعمل بالمكوك والخيط والغزل والنسيج، فحتى الأنسجة المميزة الموجودة في أوروبا تسمى حتى الآن “موزلين”، أي موصليين، أي موصلي. وكانت الصناعة في الموصل من أرقى ما يمكن، يلبس منها الناس ويصدرونها إلى بغداد أو غيرها).

شباب الموصل جند صلاح الدين

للموصل تاريخ حافل بالبطولات ونصرة الإسلام على مدار التاريخ، وذلك لتميز شجاعة أهلها وشدة شكيمتهم وصمودهم أمام المحن والأزمات، ولعل أهم ما تميزت به الموصل- دون غيرها- أن نواة جيش تحرير القدس من الصليبين كانت من شبان الموصل. يقول الشيخ الصواف: (ولقد اعتمد حاكم الموصل، الوالي التركي المشهور عماد الدين زنكي، على جيش الموصل وأعده إعدادا كاملا، بعد أن وضع لبنته الأولى من رجال وشبان هذا البلد الطيب ليطرد بهم الصليبين من أرض الإسلام وتحرير القدس الشريف من أيدي اعداء الله الغاصبين، ثم حمل تبعة هذا الجيش بعده ولدُه الشهيد نور الدين محمود زنكي. إذًا فعماد الدين هو من وضع الخطة الأساسية للقضاء على الصليبين، وصلاح الدين كان ما يزال شابا صغيرا. وبعد استشهاد نور الدين زنكي- رحمه الله- قام البطل صلاح الدين الأيوبي الكردي فنصره الله وأيده ورفع به راية الإسلام خفاقة عالية وأخزى الله الكفرة والكافرين).
صحيح أن ستين سنة تقريبا قد مرت منذ تأسيس جيش تحرير القدس الذي بدأه عماد الدين زنكي 1128 حتى حررها صلاح الدين بعد معركة حطين عام 1187، حيث تطلب الأمر من صلاح الدين أن يخوض معارك ضارية ضد الفاطميين في مصر، وضد الأمراء العملاء الفاسدين في الشام؛ في حلب ودمشق وغيرهما، ثم في إمارات العراق، حتى استطاع أن يمهد الطريق جيدا نحو تحرير القدس. يقول ابن واصل في كتابه “مفرّج الكروب في تواريخ بني أيوب” مبيّنا ما فعله صلاح الدين في العراق: (إن صلاح الدين استطاع، بعد معاهدة حرّان، أن يحشد عساكر الموصل وسنجار والجزيرة وأربيل وحران وديار بكر وغيرها تحت لواء واحد، بعد ما كانت شيعا وأحزابا).
وإذا كان جيش فتح القدس قد انطلق من الموصل على يد عماد الدين التركي، فإن الفتح قد تحقق على يد صلاح الدين الكردي، الذي ولد في تكريت؛ المدينة القريبة من الموصل. ويذكر صاحب كتاب “تاريخ الموصل” الأستاذ سعيد الديوه جي” كيف أن صلاح الدين اعتمد اعتمادا رئيسا على شبان وأبطال الموصل في اللحظة الحاسمة لاختراق أسوار القدس: (ولما حاصر صلاح الدين الأيوبي مدينة القدس سنة 583 هجرية، 1187 ميلادية، ليستردها من الصليبيين وضاق بهم الأمر استنجد بملك الموصل عز الدين مسعود، فأرسل إليه فصائل الحجارين مع فصائل رماة النفط، ومعهم أحمال من النفط الأبيض، فكانوا من أكبر المساعدين له على هدم السور وفتح بيت المقدس).

الموصل ودواعش الشيوعيين

الموصل مدينة الإيمان كانت دائما صاحبة فضل في الحفاظ على بيضة الإسلام، حتى أنه يعاد الفضل للموصل وأهلها في إفشال المدّ الشيوعي في العراق بعد ثورة 1958، والتي قادها عبد الكريم قاسم، حيث استغل الشيوعيون الظروف وتماثُل عبد الكريم قاسم معهم لمحاولة فرض نفوذهم وتمددهم في العراق، لولا وقفة الموصل البطلة وإفشال مخططهم يوم أرادوا عقد مؤتمر كبير لهم هناك، فكان الرفض والإضراب، وفشل المؤتمر. لكن ثمن ذلك كانت مجزرة الموصل الحمراء التي ارتكبها شيوعيو العراق بدعم ضباط موالين لعبد الكريم قاسم؛ هذه المجزرة التي لم ينسها أهل الموصل ولا أهل العراق ولن ينسوها، والتي كان ضحاياها شباب الحركة الإسلامية “الإخوان المسلمون” في العراق، والتي تعتبر مجازر داعش ومجازر الحشد الشعبي الشيعي الطائفي بحق أهل الموصل اليوم متواضعة إذا ما قورنت بمجزرة شيوعيي الموصل عام 1958.
ها هو الشيخ محمد محمود الصواف؛ ابن الموصل يصف بعض فصول تلك المجزرة فيقول: (وأحسب أن الناس جميعا قد سمعوا بالمجزرة البشعة التي ارتكبها هؤلاء المجرمون مع هذه المدينة المجاهدة الصامدة، التي تولى كبرها السفاح الأثيم “عبد الرحمن القصاب” ومعه زمرة الشيوعيين، وعلى رأسهم محام نصراني اسمه “جرجيس فتح الله”، وثالث أرمني لا أذكر اسمه، ونصبوا منضدة على الشارع العام أمام مديرية الشرطة في الموصل وبدأوا يأتون بالشبان ويحاكمونهم، ثم يصدرون الحكم بقتلهم، فتصوب إليهم البنادق والمسدسات فيقتلون في الحال، ثم تهجم جماهيرهم المحتشدة فتسحلهم، وقد تسحلهم وهم أحياء (السحل هو الربط والجر خلف السيارة، وفي حالات كانت سيارتان تربط كل رجل بسيارة وتسير كل واحدة باتجاه يعاكس الأخرى حتى يفسخ فسختين)، ويبدأون بعد سحلهم بتقطيع أوصالهم وهم أحياء أو يشدونهم بالحبال ويربطونهم بالسيارة، أحيانا وهم أحياء، ثم تسير السيارة الهُويْنا، والرجل مربوط بها والوحوش البشرية وراءه تقطع به وتضربه بسكاكينها وخناجرها، وقد مثّلوا وقتلوا المئات من شبان الموصل، وحتى الشابات المؤمنات لم يسلمن من هذه المجزرة البشرية البشعة ولا العلماء ولا الصالحون).
أليس شيوعيو العراق كانوا هم الدواعش الحقيقيون؟ أليست جرائم داعش وأساليبها في القتل تعتبر متواضعة ورحيمة إذا ما قورنت بجرائم هؤلاء في الموصل قبل ستين سنة من نشوء داعش؟؟

من الموصل إلى جنين

عرف أهل العراق، بل عرف المسلمون، فضل مدينة الموصل وبطولات أهلها، وأنها كانت منبع وعنوان العمل للإسلام في الماضي والحاضر، وسيظل دورها كذلك بإذن الله مستقبلا.
يكفي الموصل شرفا أن الحركة الإسلامية العراقية الحديثة التي أسسها الشيخ محمد محمود الصواف قد انطلقت من الموصل عام 1943، وأن من شبانها من قاتلوا في حرب فلسطين 1948، وتحديدا في معركة جنين، حيث سقط شهداء من المتطوعين ومن جنود الجيش العراقي، وما زالت قبورهم هناك. وكان أشهر قائدين عراقيين الشهيد عمر العلي، ابن بغداد والضابط ابن الموصل محمد شيت خطاب، الذي أصبح فيما بعد من كبار القادة والمؤرخين العسكريين في العالم العربي، حيث كتب 120 كتابا، وتوفي في العام 1998، وهو الذي قال قصيدته المشهورة في وصف معركة جنين وشهدائها، وكان أحد مجاهديها كما تقدم، نذكر منها بعض أبيات:
هذي قبور الخالدين فقد قضوا     شهداء حتى ينقذوا الأوطانا
لا تعذلوا جيش العراق وأهله      بلواكم ليست سوى بلوانا
أجنين يا بلد الكرام تجلدي         ما مات ثأر درجته دمانا
مرج ابن عامر ضرجته دماؤنا        أيكون ملكا لليهود مهانا
إن الخلود لمن يموت مجاهدا      ليس الخلود لمن يعيش جبانا
الموصل ولأنها أخت المجد وبنت الشرف والأصالة فلقد قال فيها الأدباء والشعراء الكثير. ومن أشهر من قال فيها شعره كان الشاعر العراقي الكبير وليد الأعظمي في قصيدته الشهيرة “يا فتية الحدباء” يخاطب فيها شبان الموصل:
يا فتية الحدباء أنتم قدوة للناهضين الأوفياء الكُمّل
الصادقين إذا تلجلج غيرهم ومجاهدين من الطراز الأول
والثابتين إذا الخطوب تزاحمت يتدرعون لها بصبر أجمل
ماذا أُعَدِّدُ من بطولات لكم
ستضيء آفاق الغد المستقبل
وبأي قافية أصوغ ملاحما
تُتلى على مر الزمان بمحفل
شهداؤكم ملأوا الجنان فنصفها للعالمين ونصفها للموصل
وقسمتمُ قيد الفخار فنصفه
للعالمين ونصفه للموصل

اتحاد الموصل وحلب

هذه ليست أمنية ولا اضغاث احلام وإنما هذه الجملة: “اتحاد الموصل وحلب” كانت عنوانا ورد ص 327 من كتاب “قصة الحروب الصليبية من البداية إلى عهد عماد الدين زنكي” للدكتور راغب السرجاني، حيث تحت هذا العنوان جرى التفصيل في فترة تاريخية هامة من تاريخ الأمة، عندما داهمت جيوش الصليبين بلاد المسلمين واحتلوا الشرق الإسلامي واحتلوا فلسطين والقدس والأقصى.
وحيال ما كان في الأمة من تمزق وشرذمة وانقسام فكانت الآمال معلقة على إمارتي حلب والموصل، إن هما اتحدتا فإنها الآمال تتجدد في إمكانية مواجهة الصليبيين، وذلك لِما كان عليه حال هاتين المدينتين من القوة والمنعة. وزاد الأمر الحاحا وأملا مع بداية ورود الأخبار عن قائد مسلم بطل بدأ يسطع نجمه في الموصل، اسمه عماد الدين زنكي، وهذا ما كان، خاصة وأن تواصلا جغرافيا مباشرا يصل بين الموصل وحلب.
إن ما تتعرض له اليوم بل وفي هذه الأيام وهذه الساعات كل من حلب والموصل خصوصا، والعراق وسوريا عموما، ليؤكد أن أعداءنا يقرأون التاريخ جيدا، ويعلمون مقدار مخزون العطاء في هاتين المدينتين، بل وفي كل العراق وكل سوريا والشام، ولذلك فإنهم حريصون كل الحرص على تدمير وتخريب هاتين المدينتين وهذين الوطنين العزيزين.
إن من يتذرعون بالحرب على داعش يعلمون أن حلب لا وجود لداعش فيها، ومع ذلك يصرون على تدميرها. وإنهم يعلمون أن الرقة هي عاصمة داعش، وليس الموصل، فلماذا لا يحتلون الرقة؟ وعادة فإن أية دولة تُحتل عاصمتها سرعان ما تنهار، فلماذا يتركون الرقة ويصرون على “تحرير الموصل” بما لذلك من نتائج وآثار مدمرة لمستقبل هذه المدينة العريقة وأهلها”؟
ولكننا بلسان المسلم الواثق بوعد الله سبحانه ونصره، وبقراءة التاريخ الذي لا يكذب فإننا على يقين أن مكر روسيا وأمريكا بتقسيم بلادنا كمناطق نفوذ لهم، وأن تكون الموصل لعملاء أمريكا، وأن تكون حلب لعملاء روسيا فإننا بكامل الثقة أن هذا لن يكون، وأن في الموصل وحلب من مقومات النهوض ونفض الغبار وغسل العار ثم إعادة كتابة التاريخ بأحرف المجد وكلمات الفخار.
فكما كان لأبطال الموصل الدور في تحرير القدس من الاحتلال الصليبي، بل من هناك انطلقت كتائب التحرير، وكما أن في حلب بني المنبر الذي أعد للمسجد الأقصى في يوم تحريره، فإنني على يقين- بإذن الله تعالى- أن الموصل وأن حلب ستشهدان، كما الأمة كلها، إطلالة فجر الأمة ومولد هلال فرجها القريب بإذن الله، وسيكون لهم الدور المتجدد بتحرير القدس والأقصى. وكما كان ذلك يوما فإن هذا اليوم سيعود وسيكون. ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا.
اللهم إنا نستودعك أهل الموصل، وأهل حلب يا خير مستودع يا الله!

Next Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تابعونا على فيسبوك