خراب الهيكل وخراب رابعة

اليوم الجمعة 12-8-2016، والذي يوافق 9 آب في التقويم العبري, ويوم التاسع من آب العبري في كل عام هو يوم ذكرى خراب الهيكل الثاني، والذي يُعتبر يوم حزن وبكاء عند اليهود. ولأن توقيت هذا التاريخ جاء في يوم جمعة فقد أرجئ إحياء هذه الذكرى إلى يوم الأحد، بعد غد 14-8، حيث ستبلغ ذروة إحياء الذكرى باقتحام وتدنيس المسجد الأقصى المبارك.
إذن فيوم بعد غد الأحد 14-8 هو اليوم الذي دعت فيه العديد من المؤسسات والجمعيات والأحزاب والشخصيات اليهودية لاقتحامات جماعية للمسجد الأقصى وإقامة الصلوات والشعائر الدينية في ساحات المسجد الأقصى، في سلوك استفزازي رخيص.
وهو نفس اليوم (14-8) الذي ستكون فيه الذكرى الثالثة لخراب ميدان ومسجد رابعة في العاصمة المصرية القاهرة، في العام 2013، والذي شهد أبشع مجزرة, تابع العالم مشاهدها بالبث المباشر, حيث حُصد وقتل الآلاف من خيرة أبناء مصر، وجرح مثلُهم, بل وحرق البعض منهم أحياء، والبعض الآخر أمواتا في الميدان وفي قاعات مسجد رابعة, أولئك الذين شاركوا في اعتصام سلمي احتجاجا على انقلاب دموي نفذه الخائن السيسي ضد الرئيس محمد مرسي، الذي انتخبه الشعب المصري في شهر 6-2012.
لقد بنى نبي الله سليمان عليه السلام الهيكل الأول ليعبُد بني إسرائيل فيه الرب سبحانه, وجاء القائد البابلي نبوخذ نصّر في العام 585 قبل الميلاد وليهدم الهيكل ويخربه، وليأخذ اليهود سبايا إلى بابل والعراق.
وفي معركة من المعارك الفاصلة بين الفرس وبين البابليين انتصر فيها الفرس بقيادة الملك كورش على مملكة بابل، ثم أمر بعدها بإرجاع نسل وسلالة سبايا اليهود حيث أعادوا بناء الهيكل مرة ثانية من جديد.
وفي العام 70 للميلاد احتل القائد الروماني “تيطس” فلسطين، حيث أمر بهدم الهيكل الثاني وتخريبه وتدميره وإحراقه, فكان هذا هو الخراب الثاني. ولم يكتف الرومان بهذا؛ ففي العام 135 للميلاد جاء القائد الروماني “هدريانوس” وأمر بحرث ما تبقى من آثار الهيكل الثاني بالمحاريث, ونقل حجارته فلم يبق للهيكل أثر. وهنا لا بد من جملة ملاحظات:

الملاحظة الأولى:

إن وجود بني إسرائيل اليهود على ارض فلسطين كان كأي وجود طارئ. فهو بدأ منذ معارك “يوشع بن نون” ضد الفلسطينيين العمالقة, وبعده نبيّا الله داوود وسليمان عليهما السلام، بعد إذ نجّى الله بني إسرائيل من ظلم فرعون واستعباده لهم. فوجودهم الطارئ المؤقت, كان مثل وجود البابليين والفرس والرومان, وبعد ذلك الصليبيين, ومثل احتلالهم.

الملاحظة الثانية:

إن وجود بني إسرائيل كان على جزء من أرض فلسطين, ولم يتم لهم ولو لمرة واحدة حكم فلسطين بالكامل، حيث أهلها كانوا يدافعون عنها ويسعون لطرد هذا الاحتلال.

الملاحظة الثالثة:

إن الهيكل الثاني، والذي تمر اليوم ذكرى خرابه, فإنه قد هدم, ثم خرّب, ثم حرّق, ثم نقلت حجارته, ثم حفرت أرضه بالمحاريث, فكيف يمكن القبول والتصديق بأن الحائط الغربي للمسجد الأقصى يُزعم أنه من بقايا الهيكل الثاني؟ فكيف بقي الجزء بعد تدمير وحرث الكل؟

الملاحظة الرابعة:

إن طوائف وفرقا يهودية كثيرة ما تزال مقتنعة بأن الهيكل لم يُبنَ أصلا في القدس, وإنما قال بعضهم إنه بني في جبل “جريزيم” في نابلس, حيث ما تزال الطائفة السامرية تسكن هناك. ومنهم من قال إنه بني في “بيت إيل”- بيت الإله- حيث أقيمت المستعمرة الكبيرة قرب رام الله, وروايات أخرى تؤكد أنه لم يُبنَ في القدس.

الملاحظة الخامسة:

سواء كان الخراب الأول، أو الخراب الثاني للهيكل، أو المجازر التي ارتكبت بحق اليهود في أوروبا في القرون الوسطى, أو المحارق النازية التي ارتكبت بحقهم في العصر الحديث في ألمانيا, كل هذا لم يكن لنا نحن الفلسطينيين والعرب والمسلمين ناقة فيها ولا بعير. فكيف ولماذا نصبح نحن الذين ندفع الثمن، ويراد لنا أن نسدد فاتورة غيرنا, حيث هجّر شعبنا وأوقعوا فيه نكبة ما تزال مستمرة منذ 68 سنة, ويخطط الآن لهدم مسجدنا الأقصى لإقامة هيكل مزعوم ثالث؟
ويوم بعد غد الأحد 14-8 من العام 2013 كان يوم خراب وتدمير وارتكاب مجزرة ومذبحة ومحرقة, ميدان رابعة وسط القاهرة, من قبل أجهزة شرطة وجيش النظام الانقلابي المصري, يتزعمه ناقض العهد السيسي, لم يراعوا حرمة للأطفال, ولا للشيوخ ولا للنساء المعتصمات، ولم يحترموا وجود سياسيين وقضاة وعلماء, وحفظة للقرآن الكريم, وإنما هم الذين أوغلوا قتلا وقنصا وحرقا، حتى أننا شاهدنا الجرافات تجرف أمامها الجثث التي سبق وقتل أصحابها، ولكنها لم تدفن، حيث امتدت المجزرة ثماني ساعات. نعم إنها الجرافات التي رأيناها تحرث في ميدان رابعة تزيل أمامها الخيام والجثث وحتى الجرحى، الذين لم يكن حول لهم ولا قوة.
فمثل حقد “هدريانوس” الذي لم يكتف بفعل “تيطس” الذي هدم الهيكل الثاني, وإنما حرث آثار الهيكل بالمحاريث, فكذلك فعل السيسي المجرم الذي لم يكتف بقتل المعتصمين، وإنما أراد التنكيل بهم عبر حرث خيامهم وجثثهم وحرق الجرحى منهم والأموات الذين لجأوا إلى داخل المسجد، ظانين أن السلامة والنجاة فيه والحرمة لمكانته.
فكما أن من خربوا الهيكل فإنهم أرادوا طي صفحة من صفحات التاريخ، ففعلوا فعلتهم تلك بكل الحقد الكراهية, فمثلهم تماما الذين خربوا مسجد وميدان واعتصام رابعة. فإنهم بذلك الحقد والكيد أرادوا وظنوا أنهم سيطوون صفحة من صفحات التاريخ…
لكن الغريب واللافت أن الذين خُرب هيكلهم كانوا أكثر المتحمسين، بل والنافخين في نار فتنة السيسي ليخرب ميدان رابعة ومسجدها، وأظهروه بأنه بطل، لا بل إن بعض السياسيين الإسرائيليين اعتبروه فعلا بطلا قوميا إسرائيليا وليس مصريا، نظرا للفوائد والمصالح التي تحققت للإسرائيليين بفعل انقلاب السيسي ووقوفه أمام المشروع الإسلامي عموما، وجماعة الإخوان المسلمين في مصر خصوصا.
وها نحن نشهد حالة تواصل وانفتاح وتنسيق تصل إلى حد تحالف غير معلن بين تل أبيب وبين النظام المصري الدموي الانقلابي بقيادة السيسي. ولم تكن زيارة سامح شكري وزير الخارجية المصري لإسرائيل قبل شهر تقريبا إلا الوجه المعلن من هذا التحالف والتنسيق، وما خفي أعظم! وما حصار غزة وإغلاق معبر رفح إلا مظهر من مظاهر هذا التحالف الدنس والتنسيق الإجرامي.
وبالعودة إلى تخريب الهيكل الأول عام 585 قبل الميلاد على يد مملكة بابل، بقيادة نبوخذ نصر، فإن من هيأ الظروف وقضى على مملكة بابل وشرع الأبواب لعودة اليهود إلى فلسطين، ثم مساعدتهم على نقل كتب التوراة التي كانت معهم، والتي كتبوها سرا في بابل، كان الملك، “كورش” ملك فارس. وإنني لا أتردد اليوم بالقول إن ما تفعله إيران من فتن وفساد في المنطقة العربية والإسلامية، وما ترتكبه من مجازر في العراق وسوريا ودعمها لكل شرير وظالم؛ كما في العراق واليمن وسوريا، إن هذا كله يساهم مساهمة مباشرة في ازدياد قوة إسرائيل، بل إنها الأجواء والظروف التي وصلت إلى الدول العربية بتأثير كبير لإيران سيدفع تل أبيب باتجاه اعتبار هذا الظرف فرصة مواتية لهدم المسجد الأقصى المبارك وبناء الهيكل الثالث المزعوم على أنقاضه.
فكما كان لكورش الفارسي دور في التمهيد لبناء الهيكل الثاني، فإن لفرس اليوم دورا مباشرا وهامّا في خلق ظروف تستفيد منها تل أبيب وحكومتها لإخراج مخططاتهم السوداء من الدواليب؛ وأهمها مخطط بناء الهيكل الثالث.
تتزامن، إذًا، بعد غد الأحد ذكرى خراب الهيكل الثاني والذكرى الثالثة لخراب رابعة، حيث يتصور الجانب الإسرائيلي أن ما يجري في المنطقة العربية من إرباك وشرذمة وانقسامات وتناحر داخلي هو فرصة ذهبية له، دون أن يتنبّه هؤلاء، بل إنهم يجهلون بدرجة عالية من الغباء أن العكس هو الصحيح، وأن في الأمة الإسلامية كثيرا من الإرهاصات والدلائل التي تشير إلى أن الأمة في يقظة، وليست في سبات، وأنها النهضة وليست الموات.
رغم أن الإسرائيليين يضحكون ملء أفواههم من فعل السيسي وسياساته منذ خراب رابعة وحتى الآن، ويرون فيها فرصة لأعمار الهيكل الثالث، إلا أن العقلاء منهم والعارفين يعلمون علم اليقين، بل ويصرّحون، بأن استمرار استهداف المسجد الأقصى المبارك سيقود إلى كارثة حقيقية على كل الشعب الإسرائيلي. فلقد قال في هذا “كرمي غيلون” رئيس جهاز الشاباك السابق، في تصريح له لموقع يديعوت أحرونوت يوم 29-11-2014 : (إن استمرار السياسة المتطرفة ضد المسجد الأقصى ستقود إلى حرب يأجوج ومأجوج ضد كل الشعب اليهودي، وستقود إلى خراب إسرائيل).
وبعده بأيام كتب الصحافي الإسرائيلي (تسفي ريخلسكي) في صحيفة “هآرتس”، وتحديدا يوم 2-12-2014 مقالة تحت عنوان (لحظة قبل يأجوج ومأجوج) أكد فيها على تحذيرات (شفتاي شافيت” رئيس الموساد السابق، الذي أبدى قلقه الشديد على مستقبل المشروع الصهيوني، وعلى تحذيرات غيلون من أن كارثة جديدة ستنزل في الشعب الإسرائيلي إذا ما استُهدِف المسجد الأقصى المبارك.
إنها رابعة العدوية التي سمي ذلك المكان والمسجد باسمها, هي تلك البنت الرابعة، التي ولدت لأبيها الرجل الفقير إسماعيل العدوي في أرض العراق، ولأنه سبق وولد له ثلاث بنات فكان يطمح ويتمنى أن يكون المولود الرابع ولدا ذكرا، فلما قيل له إن زوجته ولدت بنتا حزن، فلما سئل ماذا تسميها، قال بحزن بالغ: (أسميها رابعة، يقصد أنها البنت الرابعة، وكأنه زهد في أن يكون لها اسم يميزها)، كبرت رابعة، وإذا بالخير والبركة تنزل على أهل ذلك البيت وإذا بها تصبح بعد ذلك من أشهَر فتيات ونساء عصرها علما وتقوى وزهدا وورعا، فكانت مضرب الأمثال، حتى أن اسمها اطلق على ميادين ومدارس ومشافٍ وجامعات في كل العالم الإسلامي.
فإذا كانت ذكرى خراب الهيكل الثاني فرصة للتأكيد عند الإسرائيليين على نيتهم بناء الهيكل الثالث، فإنها الصفحة السوداء من تاريخهم، وإنها الكارثة التي ستنزل بهم باستهدافهم المسجد الأقصى، بينما ستكون بإذن الله الذكرى الثالثة لخراب رابعة، نقطة انطلاق لعهد جديد ومرحلة جديدة من مراحل عودة الأمة إلى مجدها ورفعتها، متجاوزة كل الظلم والطواغيت أمثال السيسي وبشار وحكام إيران وغيرهم من الحكام الفاسدين في الخليج العربي.
فإذا كانت ذكرى خراب الهيكل الثاني هي ذكرى أحزان وبكاء ودموع، فإن الذكرى الثالثة لخراب رابعة هي انطلاق لفيض أمل وبِشْرٍ وتفاؤل ويقين بالفرج والفتح والتمكين والنصر بإذن الله، وإنه ليملأني الثقة والتفاؤل والاستبشار ألا تأتي الذكرى الرابعة لخراب رابعة إلا ونحن أقرب إلى الفرج والفتح المبين، فابشروا.

Next Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تابعونا على فيسبوك