ذكرى الهبة وذكرى الهجرة

ذكرى الهبّة

يوم غد السبت 1-10 هو يوم الذكرى السادسة عشرة لهبة القدس والأقصى والتي كانت يوم 1-10-2000.
كانت البداية يوم 28-9-2000 حينما أقدم شارون على اقتحام المسجد الأقصى المبارك، وقد كان زعيما للمعارضة يومها، في تصرف أراد من خلاله أن يصيب عصفورين بحجر، كما يقال؛ أما العصفور الأول فهو موقف سياسي أراد من خلاله إثبات السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى وحق اليهود بالدخول إليه متى شاءوا, وأما العصفور الثاني فإنه أراد إحراج إيهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي يومها وحزب العمل، في مناكفة رخيصة حتى لو كان ثمنها اندلاع انتفاضة فلسطينية ثانية.
وبالفعل فإن هذا ما حصل. فمع اقتحام شارون ومرافقيه، وبحراسة أمنيّة مشددة لساحات المسجد الأقصى المبارك كانت المواجهات مع أهل المسجد وأحبابه، والتي سرعان ما ارتقى فيها الشهداء وسقط الجرحى بالعشرات، وسرعان ما انتقل لهيب الهبة إلى الداخل الفلسطيني، حيث خرجت المظاهرات المناصرة للمسجد الأقصى والمحتجة على تدنيسه، والتي واجهتها الشرطة الإسرائيلية بكافة أذرعها بإطلاق النار، حيث بدأ ارتقاء الشهداء، وتواصل طيلة أسبوع كامل، بدءًا من يوم 29-9 وحتى يوم 8-10 حيث ارتقى الشهداء الثلاثة عشرة، في جت ومعاوية وأم الفحم والناصرة وكفرمندا وكفركنا وسخنين وعرابة, وهم رامي غرة, أحمد جبارين, محمد جبارين, مصلح أبو جراد, أسيل عاصلة, علاء نصار, وليد أبو صالح، عماد غنايم, إياد لوابنة, محمد خمايسي, رامز بشناق, عمر عكاوي, ووسام يزبك . ولأن المواجهات امتدت طوال أسبوع فقد أعلنت لجنة المتابعة العليا لفلسطينيي الداخل عن يوم 1-10 من كل سنة يوم تخليد ذكرى هبة القدس والأقصى.
لم تكن بداية الأحداث إلا شرارة انطلقت لتشعل انتفاضة فلسطينية شاملة عرفت بالانتفاضة الثانية، حيث الانتفاضة الاولى تلك التي اندلعت يوم 8-12-1987 عقب حادث مقتل عدد من العمال الفلسطينيين في مخيم جباليا في غزة دهسا على يد جيب عسكري إسرائيلي.
إنهم آلاف الشهداء وعشرات آلاف الجرحى والأسرى كانوا حصاد انتفاضة وهبة الأقصى، انتصارا للقبلة الأولى ولمسرى محمد صلى الله عليه وسلم.
صحيح أن الانتفاضة بعنفوانها وزخمها قد امتدت بضع سنوات، لكن الجهود الدولية والإقليمية, والأهم من ذلك فإن دور السلطة الفلسطينية في رام الله كان اللاعب الأساس في إخماد جذوتها، لا بل إنه التآمر المشين ضد كل من أراد رفع سقف الانتصار للمسجد الأقصى عبر العمل لإفشال ما كان يحاك ضده من مشاريع تقسيم زمانية ومكانية جرى تداولها على طاولة المفاوضات بين الإسرائيليين وبين الوفد الفلسطيني برعاية أمريكية وأوروبية وبدعم من أنظمة عربية.
ومع أن زخم الانتفاضة كان قد تراجع، إلا أن شعبنا الفلسطيني ظل- وما يزال- وفيا للقبلة الأولى. ومع بقائه وحيدا في مواجهة مشاريع الاحتلال إلا أنه لم يتوقف يوما عن العطاء والبذل للمسجد الأقصى المبارك وما يزال.
ففي العام الماضي، وتحديدا يوم 4-10-2015 ومع اقتحامات اليهود للمسجد الأقصى في موسم أعياد رأس السنة العبرية وما يسمى عيد الغفران، وما بعده من أعياد، انطلقت هبة فلسطينية مجيدة كانت ردة فعل لما رآه أبناء شعبنا من انتهاك المستوطنين لحرمة الأقصى والسماح لهم بالدخول إليه، بل وإقامة شعائر دينية فيه, مقابل منع المسلمين والتضييق عليهم عند أبواب الأقصى وساحاته.
ها نحن إذًا مع الذكرى السادسة عشرة لهبة القدس والأقصى, والذكرى السنوية الأولى لهبة شعبنا في الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك كانت ابتدأت وما تزال مستمرة. وها نحن نسمع عن تلك الدعوات تطلقها تلك الجماعات اليهودية والمنظمات الدينية التابعة لأحزاب سياسية دينية. إنها دعوات لاقتحام المسجد الأقصى متزامنة مع الأعياد اليهودية التي ستبدأ مطلع الأسبوع القريب.
كأني بحكومة نتنياهو، التي بحمايتها وجبروت وبطش شرطتها يجري اقتحام المسجد الأقصى وحماية المستوطنين والجماعات الدينية والقومية، كأني بهذه الحكومة لم تتعلم الدرس ولم تستوعب العبر مما جرى في الماضي، ومن أن شعبنا لن يخذل المسجد الأقصى ولن يدير له الظهر ولن يتركه وحيدا.
كأني بهذه الحكومة ومن يقف على رأسها، وهي ترى أنظمة عربية تنسق معها وتتبادل معها المعلومات الاستخباراتية لضرب مشاريع الثورات العربية، وتتآمر معها لحصار غزة، المستمر منذ عشر سنوات. ثم إنها ترى ما يجري في المنطقة من حالة تفكك وشرذمة وحروب داخلية طاحنة تخوضها الأنظمة ضد شعوبها، وحيث حالة الانحياز الغربي والأوروبي والأمريكي والروسي السافر إلى جانب تل أبيب. إن هذا كله مما يشجع هذه الحكومة لمزيد من التصعيد ضد شعبنا الفلسطيني عموما، وضد القدس والمسجد الأقصى على وجه الخصوص. فلئن هذا من جانب حكومة تل أبيب، فإن من جانب شعبنا لن يكون إلا مزيدا من القناعة أن الأقصى لن يكون إلا لنا, ولنا وحدنا، وأنه غير قابل للقسمة ولا للمشاركة لا زمانا ولا مكانا.
نعم، في ذكرى هبة الأقصى 1-10 لن يكون منا إلا الإصرار على التواصل مع الأقصى مهما كانت أشكال الحرب السافرة ضدنا؛ من منعنا وحرماننا وإقصائنا عن المسجد الأقصى. إنه المسجد الأقصى، وعبر التاريخ، علمنا أن احتلالات كثيرة عبرت من حوله، وسيعبر الاحتلال الإسرائيلي حتما ويقينا، ويصبح من التاريخ الغابر بإذن الله تعالى.

ذكرى الهجرة

ولئن كان يوم غد السبت 1-10 هو يوم ذكرى هبة القدس والأقصى فإن يوم بعد غد الأحد 2-10 هو يوم ذكرى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة. وكأن الله سبحانه وتعالى شاء أن يجمع بين هاتين المناسبتين ليجمع بهما بين الشقيقات الثلاث؛ مكة والمدينة والقدس، ويجمع بين الأشقاء الثلاثة؛ المسجد الحرام والمسجد الأقصى والمسجد من سيبنى لاحقا في المدينة يومها، مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إننا نودع العام الهجري 1437 لنستهل عاما هجريا جديدا هو العام 1438 وليهل علينا هلال شهر محرم؛ الشهر الأول من العام، ولسان مقالنا وحالنا يقول: (اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، هلال رشد وخير، ربي وربك الله يا هلال محرم).
إن ذكرى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست محطة ذكريات بين عام مضى وبين عام قادم. وإنما ذكرى الهجرة الشريفة لَلتي تزرع فينا معاني كثيرة نستلهمها كلما مرت بنا الذكرى، لتبعث فينا الأمل والثقة من جديد.
كم هو صعب وقاس أن يهجر الإنسان وطنه وأرضه التي ولد ونشأ وترعرع فيها، وأن يكون ذلك بفعل ظلم وقهر يمارسه عليه آخرون، وأن يكون ذلك ثمنا لشيء أنت تعتقده وتؤمن به ولا تريد أن تتنازل عنه، ولو كان ثمن ذلك هجرة الوطن الذي تحبه. ولقد جسد هذا الحب وهذا الحزن على فراق الوطن يومها واليوم وكل يوم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطابه لمكة، لما وقف عند آخر نقطة يرى فيها مكة وهو يخرج مهاجرا ويتركها فقال لها: (والله إنك لأحب بلاد الله إليَّ, ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت).
صحيح أن الهجرة من مكة لم تكن خروج اليائس، ولا هجرة المستسلم مكسور الجناح، وإنما هي هجرة وخروج من سيذهب ليعد العدة وليقوم على مشروع الدعوة ونشر الرسالة والفكر والدين الذي لأجله حورب وعودي، وليكون هو منطلقه الأساس وضمانه الرئيس بالعودة إلى مكة بإذن الله: (إِنَّ الذِّي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) القصص: 85.
إن المقاييس المادية، وإن لغة الأرقام، وإن الظروف بكل أشكالها لم تكن توحي بأن الخروج من مكة هو خروج مؤقت، وأن العودة إليها أكيدة ومضمونة، لكن الذي أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالخروج كان هو الضامن لذلك. إنه الله سبحانه القائل: (إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوبة: 40.
ما أحوجنا- نحن المسلمين- في هذه الأيام العصيبة أن نستلهم معنى هذه الطمأنينة التي قذفها الله في قلب رسوله صلى الله عليه وسلم وهو في الغار، في طريق الهجرة، وهو يُطَمْئِنُ حبيبه وصديقه ورفيقه في هجرته أبا بكر يقول له: لا تحزن يا أبا بكر، يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟
إننا في مرحلة، حيث أمتنا تعاني من الظلم والقهر، وتسلط الأعداء ومطاردة الجبابرة الظالمين للدعاة وحملة لواء الخير لا لشيء إلا لأنهم يقولون: ربنا الله، ويدعون إلى الفضيلة، ما أحوجنا إلى أن نستشعر معيَّة الله سبحانه، وأنه حتما ناصرنا ولن يخذلنا، لأننا لا نريد إلا أن تكون كلمته سبحانه هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.
قبل أسبوعين عشنا طمأنينة معيّة الله ورعايته في قول هاجر لإبراهيم، لما تركها وابنها بواد غير ذي زرع، إذ قالت هاجر لإبراهيم: ما دام الله اختار هذا المكان إذن فلن يضيعنا. وفي هذه الأيام نعيش طمأنينة معيّة الله ورعايته في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: لا تحزن إن الله معنا.
ولما أننا نعيش أجواء التدنيس والتهويد باقتحامات المسجد الأقصى المبارك؛ تدعو إليها حثالات من المتعصبين والمغتصبين يريدون بالأقصى شرا، فما أجمل أن نعيش بشعور وقناعة “لا تحزن إن الله معنا”.
ولما أن أهلنا وإخواننا في حلب خصوصا، وفي سوريا عموما يعيشون حرب إبادة وحشية يمارسها ضدهم الطاغية بشار، يدعمه الروس المجرمون ومجوس إيران وعصابات المليشيات التي تدَّعي المقاومة، ولما أن الدنيا قد أدارت لهم الظهر وأصمّت آذانها عن أنين أطفالهم ودموع نسائهم، فما أحوجنا وإياهم إلى أن نستشعر ثقتنا بالله سبحانه, وأنه لن يتخلى عنهم، وأنه معهم: لا تحزن إن الله معنا.
إننا على ثقة ويقين بوعد الله سبحانه بالفرج والتمكين والنصر المبين للشام وفلسطين، للقدس ولحلب ولدمشق وللمسجد الأقصى وللمسجد الأموي. وإن شاء الله سبحانه، وكما وبعد خلاص حلب ودمشق من الأمراء العملاء حلفاء الصليبين يومها، فكان فتح القدس وخلاصها من الصليبين، فإنه نفس المشهد يتكرر لنرى خلاص حلب ودمشق ثم خلاص القدس الشريف.
وإذا كان البعض قد شكك في أن رجلين يخرجان من مكة إلى المدينة مهاجرين، سيعودان إليها فاتحين بعد ثلاثة عشر عاما على رأس جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل، ولكن هذا كان بإذن الله. ومثله سيرى من يشكك بخلاص وفرج حلب والقدس بإذن الله. (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا) الإسراء: 51، (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) الروم: 5.

Next Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تابعونا على فيسبوك