سيبزغ فجرنا وستطلع شمسنا

لا يمكن لأي كان أن ينكر أو يتجاهل الهول والكرب الذي تعيشه الأمة ولا يمكن لأحد أن يتعامى عن فداحة الكارثة التي تضرب، والعاصفة التي تدمر في كل ناحية من بلاد العرب والمسلمين.
إنها فعلا السنين الخداعة. إنها فعلا أيام حكم السفهاء والرويبضات والتافهين والعملاء. إنها فعلا فتن كقطع الليل المظلم، والتي كلما قيل انقضت تمادت، فما أن تهدأ في الناحية الأولى حتى تثور كالبركان في نواح أخرى. إنها التي يصبح الحليم فيها حيرانا. إنها التي يصبح فيها من يتمسك بالحق والأصالة والاستقامة كأنه الغريب. إنها الأيام التي فيها أصبح يُخوّن الأمين ويؤتمن الخائن، ويصدّق الكاذب ويكذّب الصادق.
ومع ازدياد تردي الأوضاع، ومع كثرة الدماء التي تسفك، والمدن التي تخرب، والملايين التي تهجر، وما بين ليلة وضحاها وإذا بالعرب والمسلمين يسكنون في الخيام، يقفون بالطوابير عند بوابات وعلى حدود الدول الغربية، كما يقف الأيتام على أبواب اللئام.
ومع كل الهول الذي يقع، والنزيف الذي لا يتوقف، فإنها تلك الفتنة التي اسمها “داعش”، وشرها المستطير الذي وقع وما يزال على المسلمين دون غيرهم. ومن أعظم دلالات أنها فتنة، أنها أصبحت غطاءا ومبررا للفتنة الأعظم التي وقعت عبر الانقسام المذهبي بين المسلمين السنة وبين المسلمين الشيعة، وآثار ذلك وتداعياته على الأمة كلها.
وأما ثورات الربيع العربي وهبة الشعوب ضد الظلمة والطواغيت واللصوص من القادة والزعماء، فقد نجحت الشعوب في خلع حسني مبارك، وقبله زين العابدين بن علي، وبعده القذافي، وعلي عبد الله صالح ، واستعصى بشار الأسد, لكن سرعان ما تداعت قوى الشر العالمية والإقليمية والمحلية لتنقلب على هذه الثورات وتتآمر عليها، بل وسعت إلى تحويل ذلك الربيع إلى خريف، وتلك الآمال إلى آلام، وتحولت تلك الدول إلى ساحات حرب بين أبناء الشعب الواحد يغذيها أشرار العالم عبر دعمهم لعملائهم ولعكاكيزهم.
إنه لا أسوأ من أن ترى أشراف الأمة يُقتلون ويُسجنون ويطارَدون، وإنه لا أسوأ من أن ترى هذا العربي يستنجد بالأجنبي الروسي، أو الأمريكي ليأتي بآلات الموت والدمار ليقتل الأطفال ويغتصب النساء ويهدم البيوت والمدن. وإنه لا أسوأ من أن ترى هذا العربي “السيسي، وقبله مبارك” يحاصر غزة وأهلها ويجوّعهم خدمة للإسرائيليين، لا لشيء إلا لأن غزة فضحت نذالتهم وهوانهم عبر مواقف عزتها وشموخ وكبرياء أهلها وأبطالها. وإنه لا أسوأ من أن يتحول الفلسطيني شريك النضال ومقاومة الاحتلال إلى عميل لهذا الاحتلال ينسق معه أمنيا ويطارد ويحارب ويسجن من لا يزال يرى في الاحتلال غريبا ويجب أن يرحل.
لا بل إن سوء الحال قد وصل إلى درجة التآمر لضرب الحركة الإسلامية وحظرها من قبل المؤسسة الإسرائيلية، وبالتنسيق مع أنظمة ودول عربية، وما ذلك إلا عقوبة للحركة الإسلامية، لأنها فضحت تقصيرهم عبر ما كانت تنجزه من مشاريع نصرة للمسجد الأقصى والقدس الشريف. إنه تخوفهم من أن يقول الناس إنه إذا كان هذا فعل حركة ودعوة فكيف ستكون النتائج لو كانت كذلك تفعل حكومات أو دول تدعي أنها تناصر القدس والمسجد الأقصى المبارك؟
ولأن الحركة الإسلامية- قبل حظرها- أكدت المرة تلو المرة أنها تقبل أن تكون الرديف والسند والنصير والجندي بل والخادم لكل من ينتصر للمسجد الأقصى المبارك، فإنه بدل شكرها ومناصرتها، جرى التآمر عليها والتحريض الدموي الحاقد من قبل أنظمة عربية أشادت بالتخلص من الحركة الإسلامية، حيث في ذلك منفعة تل أبيب، والتخلص من عنصر إحراج لتلك الدول والأنظمة.
وإن من ملامح سوء الحال، الذي وصلت إليه الأمة، أن تتوسل دولها وقياداتها لإسرائيل حتى تقبل بما سمته المبادرة العربية، التي طرحها الملك عبد الله ملك العربية السعودية في العام 2002، غير أن تل أبيب ضربت بها عرض الحائط.. وها هو السيسي، وبدعم سعودي وإماراتي، ينقح تلك المبادرة ويجري عملية ديكور وتجميل لها عبر تفريغها من بعض محتوياتها. ولقد وصل الأمر بالجانب الإسرائيلي أنه رفضها، بل ورفض المشاركة فيما سمي بمؤتمر باريس نهاية الأسبوع الماضي، والذي كان يسعى لتسويق المبادرة العربية مع المبادرة الفرنسية. فماذا بقى في وجوه قادة العرب من ماء حياء وماء كرامة وماء رجولة، وهم يتوسلون للمؤسسة الإسرائيلية لعلها تقبل مبادرتهم، ولكنها تتعزز أكثر وأكثر، وتعاند أكثر من ذي قبل، حتى تجعل العرب والمسلمين يخرون راكعين وساجدين أمام صلف قادتها؟ ولعل من آثار ذلك ونتائجه القبول بتقسيم المسجد الأقصى المبارك في الحد الأدنى من تمريغ الكرامة، ولعله يصل إلى ابعد من ذلك؟!
إزاء هذا الحال، فإن من بيننا كثيرين ممن أصابهم اليأس والإحباط، والتشاؤم وصل بهم إلى حد أنهم قد تلفعوا بعباءة القنوط وقعدوا مع القاعدين، إنهم الذين باتوا ينظرون إلى المستقبل نظرة سوداوية قاتمة السواد، من أن حال الأمة لن تغير، بل إنه من سيء إلى أسوأ، ومن أسفل إلى أسفل سافلين. وانه لم يكن ولن يكون في مقدورنا مواجهة هذا الحال إلا بالاستسلام له والقبول به.
وإنني- والحمد لله- وأنا الذي ما عرفت اليأس يوما، ولا تسرب إلى داخلي بعض منه، ولا أقل من ذلك، وإنني وأنا الذي أقرأ دورات التاريخ في كيفية نشأة الأمم والحضارات، وكيف يكون الصعود والهبوط والقوة والضعف، ثم من خلال ما أكرمني به الله سبحانه من فهم سليم شمولي وسطي لهذا الدين، ومن قراءة متواضعة لرسالة القرآن وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن خلال قراءة الواقع وتتبع سير الأحداث، ورصد مستمر للحالة التي عليها المجتمع الإسرائيلي تحديدا، من ترد مستمر وتراجع مطّرد في الحالة المعنوية، هذا كله وغيره جعلني على يقين وثقة- والحمد لله- بأن أمرنا إلى خير، وأن مآلنا إلى فرج، وأن المستقبل لنا وليس لغيرنا، وأن دورة الأيام لصالحنا، وأن هذا الكرب والألم سينفجر منه الأمل، وأن بعد هذه العتمة حتما سيكون النور، وأن بعد هذا الليل يقينا سيشرق الصباح.
وإنه النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: (واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا)، وإنه الذي وعد وأخبر بأن هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار؛ بعز عزيز أو بذل ذليل، وإنه صلوات ربي وسلامه عليه هو الذي أخبر بأن دولة الخلافة الراشدة على نهج النبوة حتما آتية وقادمة.
وإن ما يجري حولنا، وبالرغم من كل آلامه وجراحاته وظلامه، لكن إشعاعات النور نراها تنبعث قوية من كل ناحية. وبحجم هذه الإشعاعات وهذه الملامح يكون حجم الحقد والكيد وردود أفعال أعدائنا الذين (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون).
نعم، إن في مقدور أعدائنا وفي استطاعتهم، وبكل الجهد الذي يبذلون، والسلاح الذي يشهرون، والأموال التي ينفقون (…. لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) في استطاعتهم بهذا كله، وبمكر الليل والنهار الذي يمكرون، أن يعرقلوا مسيرة تقدم الإسلام، لكنهم أبدا لن يستطيعوا إيقافها، كما قال ذلك الفيلسوف الفرنسي: (لن نستطيع إيقاف زحف مارد الإسلام، ولكن فلنعمل على عرقلة وتأخير هذا الزحف).
وإن هذه الدماء وهذه الدموع وهذه الاهات، التي تنبعث من كل جانب وناحية ليست آلام الاحتضار والنزع الأخير، كما يظن الأعداء، ومعهم السفهاء من أبناء أمتنا، وإنما هي آلام ودماء المخاض الذي يسبق الميلاد بأذن الله تعالى.
لقد سبق وشيع البعض الإسلام خلال الحملات الصليبية، أو كادوا يصلّون عليه صلاة الجنازة خلال حملات التتار والمغول، ولكنه مارد الإسلام الذي سرعان ما كان ينهض أقوى مما كان، وليس فقط أنه كان يناطحهم، بل إنه كان يدوسهم كما تداس الفئران والصراصير.
ومثلما صمتت اليوم وبكت مآذن الفلوجة وبغداد، ومآذن حلب وإدلب وحمص، ومثلما أن المسجد الأقصى المبارك حزين محاصر تهدده معاول الهدم وأقدام التدنيس الصهيوني، فمثلما هو الحال اليوم فإنه الحال الذي كان، ولكنه لم يدم، بل إنه انتهى بإذن الله بنهضة بغداد، رغم دموية المغول، وبنهضة حلب والقدس وتطهير المسجد الأقصى من رجس الاحتلال الصليبي، الذي منع الأذان من أن يرفع فوق مآذنه قريبا من تسعين سنة.
رغم دموية الروس وحقد المجوس وصليبية أمريكا والغرب، ورغم عكاكيزهم من أبناء جلدتنا، الذين يعيدون سيرة ابن العلقمي وشاور والصالح إسماعيل، تتمثل ببشار والسيسي والعبادي وغيرهم من أنظمة العار والخيانة من أصحاب الجلالة والفخامة، فرغم هذا كله فإن الأذان سيعود إلى المساجد الحزينة التي دمرها مغول وصليبيو هذا الزمان وعملاؤهم، وسيرحل الاحتلال الصهيوني عن المسجد الأقصى مثلما رحل الاحتلال الصليبي بإذن الله.
أيها الحيارى والمتعجبون، أيها المتشائمون واليائسون؛ اخلعوا عنكم عباءة اليأس، وانزعوا النظارة السوداء عن أعينكم، وانظروا إلى المستقبل، القريب بإذن الله، بعين الأمل والتفاؤل، وتذكروا أن اشد ساعات الليل حلكة تلك التي تسبق إشراقة الصبح بقليل. نعم، لا يشرق الفجر إلا في دجى الظلم، وستشرق شمسنا، وسينبلج صبحنا، وتملأ تكبيرات نصرنا آذان الكون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
هذا هلال رمضان قد أهل علينا، وبيقيني وثقتي بالله وبعظيم تفاؤلي إنها إطلالات قليلة وقليلة جدا لهلال رمضان في أعوام قادمة، وإذا بنا في حال غير الذي نحن عليه (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) أليس كذلك يا هلال رمضان؟؟ فاللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام والفرج والتمكين والنصر المبين للإسلام والمسلمين، اللهم آمين.

Next Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تابعونا على فيسبوك