ليلة سقوط الانقلاب

يصلح لفيلم أكشن أو فيلم بوليسي لتحولاته الدراماتيكية ما بين أقصى درجات التأزم والحبكة إلى أقصى درجات حل العقدة والانفراج!
عاش كثير من محبي العدالة والشرعية والتقدم لحظة انحباس الأنفاس وبلغت منهم القلوب الحناجر وهم يتابعون كابوس المحاولة الانقلابية على الحكومة الشرعية التركية!
كل مسلم وعربي منصف موضوعي له تحفظاته على السياسة التركية، والكل أصبح يعتبرها شأنا داخليا يخصه، وينتظر مواقف تركيا من الأزمات العربية ويقيم أفعالها ويتطلع إلى أدائها الذي ينحاز غالبا إلى المظلومية العربية والمسلمة، ولكن بالرغم من الامتعاض هنا وهناك وبعض الدهشة والاستغراب من مجموعة مواقف وبعض السخط والرفض لمواقف أخرى، لا يملك إلا أن يقف بموقف الممتن والمكبر لتركيا التي حملت لأجل قضايانا مسؤولية كانت في غنى عنها بعد أن فرطت فينا دولنا العربية، ودفعت وما زالت تدفع ضريبة عالية بسبب مواقفها كان آخرها الانقلاب الفاشل وكأن محاور القوى الأوروبية لم ترضها عملية التطبيع الأخيرة لتركيا مع الكيان الصهيوني، فعينها على الاقتلاع التام لهذه العقلية والمنهجية التي تدير تركيا حاليا وقد ظنت أن تجربتها في دعم الانقلاب في مصر وإيصاله إلى السلطة قابلة إلى التكرار والتصدير إلى كل مكان لا يخضع تماما لسياساتها ناهيك أنهم يسعون لتفريغ المنطقة من أي محاور قوى يمكن أن تقف لعمليات التقسيم والسيطرة القادمة!
ليس الشعب التركي ببعيد عهد بالانقلابات بل أن تاريخه الجمهوري يحفل بعدد منها، وغالبا ما كانت تنتهي بانتصار إرادة العسكر والمزيد من التمكين لهم في المشهد السياسي والعسكري على حد سواء، فالشعب التركي متعود إذن على تدخل أصحاب البساطير في السياسة وكان آخرها عام ١٩٩٧ عندما اجبروا رئيس الوزراء أربكان على الاستقالة بتهمة محاولة أسلمة تركيا! فما الذي جد حتى ينقلب المشهد رأسا على عقب ويقف الشعب ضد الجيش ويأخذ المقاليد بيديه؟
الجواب بسيط ويلخصه مبدأ رمزي يذكره الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد في التعليق على أثر السياسة في عقلية وتصرفات المجتمع، إذ يقول في مدح السياسة الحكيمة «تفعل السياسة في أخلاق البشر ما يفعله الماء في إنماء الشجر» وهذا ما رآه العالم في الفتح الاسطنبولي الجديد إلا أن هذا الفتح لم يكن بإسقاط القلاع والمدن المحصنة وأسوارها بل بفتح عقول الناس وقلوبهم.
ما رأيناه من إسقاط الأتراك للانقلاب لم يكن فتحا عسكريا بل نصرا إنسانيا حضاريا تمثل في ارتقاء تفكير وأداء الشعب بأغلبيته لإدراك أن المعركة ليست في الدفاع عن أردوغان ولا حزبه، فبعضهم يعارضه ولا يحبه، القضية كانت فوق الشخصنة وأهم من شخص من يجلس على الكرسي، فهذا يمكن أن يحاسبه الشعب أو يعاقبه بطرق ديمقراطية في انتخابات قادمة، التحدي كان في الدفاع عن مكتسبات الشعب والوطن وحالة التقدم الديمقراطي والإنساني والحضاري والحقوقي التي تمكن فردا أعزلا من التمدد أمام دبابة بمنتهى الثقة، فسلوك الأفراد في الأزمات تجاه بعضهم على طرفي الصراع كان بحد ذاته انجازا واستحقاقا مشهودا وهو ما كرره اردوغان عندما قال للجيش «لقد أعطيناكم السلاح لتدافعوا به عن الشعب التركي لا لترفعوه في وجهه»! حتى الخاسرون لم يتعاملوا بمنطق «علي وعلى أعدائي» أو»يا فيها يا بخفيها» أو»يا لعيب يا خريب» أو»يا غولن يا نخرب البلد» فسلم الأغلب نفسه وسلاحه وهرب من هرب وانتصرت انجازات الجمهورية التركية على يد شعب حمى حكومته من السقوط وحمى انجازه من الدمار وحمى دولته من الانقسام والضعف وهذه أعلى وأعظم درجات المواطنة التي قال فيها أرسطو»المواطن لا يكون مواطنا إلا بالمشاركة وليس بمحض الحرية السلبية».
هذا الزخم الشعبي ليس بجديد على الشارع التركي فقد رأيناه سابقا في احتفالات الفوز في الانتخابات، وهو ما نراه في شوارعنا العربية من التطبيل والتزمير الصادق أو مدفوع الأجر في ذات المشاهد، غير أن المختلف في المشهد التركي هو عدم الغياب والتخلي وإنما المتابعة النشطة والتواجد السياسي فمن أعطاك ثقته يوم المغنم وعملت لمصلحته سنوات طوال لن يتخلى عنك يوم المغرم! لقد أثمر صدق السلطة مع مواطنيها في تحقيق انجازات غير مسبوقة أعادت تركيا إلى محور الثقل السياسي ومحور التعاطف والاحترام الشعبي بعد سنوات من القطيعة مع العرب خصوصا، فجاء مشهد الانقلاب ليظهر الولاء للفكر والمنهجية التي أوصلت تركيا إلى هذا المرتقى ولذا كانت استماتتهم السلمية دفاعا عن ذوات أنفسهم في دفاعهم عن وطنهم! لقد وقف الملحد إلى جانب الشيخ والتحم المسجد بالميدان ليدافع عن دولة قدمت لا اله إلا الله إلى الناس في قوانين تُطبق في الحياة فترقى بهم، وحقوق تحفظ كراماتهم، وعدالة تسوي بينهم فانتصبوا جميعا للدفاع عن شرعيتها وكانوا جيشها صاحب الكلمة والتأثير والموقف الفصل، وهذا ما لا تعرفه أنظمة البطش العربية التي تدفع المليارات على التسليح لتستخدمها ضد شعوبها أو إخوانها العرب، متناسية أن الشعب وتأييده وانجازاته ه أقوى عضد وأمتن ساعد وأبقى سلاح لحاكم عادل وهذا ما يؤكده الندوي إذ يقول «لقد قررت فلسفة التاريخ أن القوة الحربية والإستراتيجية لا تكسب النجاح ما لم تساندها العقول المفكرة وقوة التشريع والتقنين والمؤسسات المنظمة».
تركيا قدمت الإسلام في شكل دولة مدنية حقوقية مزدهرة آملة أن هذا النموذج من العدالة الإسلامية سيقود خطى الناس إلى ربهم كما قاد عقولهم وقلوبهم لخدمة بلدهم فكان مشهد الصدح بالتكبير على أغلب الألسنة بعد سقوط الانقلاب دليل تعاف وعودة لشعب قضى تسعين عاما في أتون العلمنة لا يسمع الأذان ولا يعرفه! أن من ينسب الفضل إلى العلمانية في التلاحم الجماهيري الذي ظهر البارحة وينسى دور الدين والمساجد بثقافتها الكلية، وليس فقط كدور عبادة، لا يعرف سيكولوجيا الجماهير التي يفسرها الفيلسوف الرئيس علي عزت بيجوفيتش في كتابه الإسلام بين الشرق والغرب فيقول «إن المجتمع الذي تسيطر عليه مشاعر التضامن والتضحية والمصير المشترك يعتبر في «حالة دينية»، أن المجتمع العاجز عن التدين هو أيضا عاجز عن الثورة والبلاد التي تمارس الحماس الثوري تمارس نوعا من المشاعر الدينية الحية الموجهة لتحقيق العدالة والجنة على هذه الأرض».
أما في طرفنا من العالم فسنظل جمهورا متفرجا على المسرح العالمي يصفق لأداء الكبار ويعضعض الشفتين قهرا أو حسدا أو قلة حيلة!
إلى الإسلاميين أينما كانوا.
مكنوا بالانجازات المجتمعية لاختيار الإسلام لتستطيعوا التمكين له في السلطة وعلموا الشعوب أن دورها يتجاوز ورقة في صندوق، توضع عن جهل أو دراية أو تحيز، فشعب لا يقف ليدافع عن حقه في كل المراحل سيخذلكم إذا جد الجد، وشعب يرى نفسه شريكا في السلطة سيكون ترسا ودرعا وسيفا في وجه كل من يريد أن ينتقص منه!
هل ستنطبق علينا السنن في كوكب البطش العربي؟ ما نعرفه أن علينا أن لا نيأس من المحاولة؟

Next Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تابعونا على فيسبوك