محلكِ من الإعراب

يخبرنا القرآن عن حادثة عظيمة من النصرة والتأييد الالهي للضعف البشري أثناء الهجرة والتي تجلت في قصة ثاني اثنين في الغار، بينما تخبرنا السنة عن قصة بذات العظمة في وقت أشد خطورة ومصيرية، إنها قصة ثالث ثلاثة في لحظة البدء يوم نزول الوحي بالأمر العظيم، وحكمة الله تقتضي ترتيب المشهد الرباني ليكون درسا موحيا بكافة جزئياته،ومن تلك الوقفات العظيمة الوجود والدور المحوري للسيدة خديجة كزوجة وامرأة مسلمة
الم يكن هذا هوالترتيب والتتابع الرباني: الوحي عن طريق جبريل الى محمد الرسول الى خديجة؟ هل ذهب الرسول ليلقى بالخطب الجلل اليها بحثا عن مأوى عاطفي فقط؟ لماذا لم يذهب الى عمه أبي طالب اوصديقه أبي بكر والمفروض ان الرجال أكثر خبرة ودراية وتجريبا؟ هل تصرف السيدة خديجة كان استيعابا عاطفيا وتسكينا لفؤاد لم يدرِ ما نزل به؟
ان المتفحص في عباراتها والثقة والحزم في دلالاتها سيعرف أن خديجة في ذلك الموقف هي اختيار الحكيم العليم لانها أكبر من قلب وعواطف، انها مع هذا كله عقل حكيم وسند قوي ومسؤولة علاقات عامة محنكة
فماذا قالت خديجة في هذه العبارات المختصرة الموجزة التي أنطقها الله بها لتكون أعمدة تثبيت قلب محمد؟ قالت:
“كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق” لقد استحضرت في لحظة أحست فيها بخوف زوجها على نفسه كل ماضيه ومواقفه ثم قدمت له نتيجة الواثق ان البدايات المشرفة وسجل الفخار لن يضيع هدرا
هل كان أي رجل، لوذهب الرسول اليه بدل خديجة، ليقول أفضل وأحكم من ذلك؟ ثم لم تكتفِ أمنا الرضية المرضية بذلك بل أخذت المصطفى لمزيد من الايضاح والاقناع والاستشارة الى قريبها ورقة بن نوفل وكان عالما بالنصرانية.
لماذا يختار الله امرأة للقيام بهذه المهمة في اعظم المحكات في بداية نزول الرسالة؟ هل في ترتيب السلسلة الربانية بعد النبوة مباشرة اشارة الى مكانة المرأة المركزيه غير المحصورة في دور ولا شكل ولا هيئة؟
لم يكن الاسلام، فيما أعلم، جنسويا في الخطاب بشكل متحيز بل حتى في حالات القوامة كان هناك اسباب وشروط لا بد من اكتمالها واستيفائها واللا فهي ليست حقا مطلقا مثبتا، وحتى في تفصيل الخطاب وتقسيمه بين الذكور والاناث والمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات انما هواثبات مكانة واعتراف وتكريم كان لا بد للدين الخاتم ان يقدمه ليكمل به الاصلاح على وضع المرأة الذي بدأته الرسالات السماوية السابقة، أما الافضلية فليست لجنس بعينه وانما لمبدأ وهوالتقوى، بل ان الاسلام سبق الشرائع المدنية المتقدمة في تشريع التمييز التفضيلي للنساء
وفي حادثة اخرى سبقت هاجر خديجة لتخط بأمر الله للأمة مناسكها فيسير الرجال والنساء على خطاها الى يوم الدين. لماذا كلف الله سبحانه هاجر بهذه المهمة الشاقة من استحداث حضارة في مكان لا حياة فيه لتصبح هي الملكة الاولى غير المتوجة على المكان بل وتأتي القبائل العربية في جوارها؟ لماذا غادر ابراهيم وتركها لتتولى قيادة المشهد في أعظم بقاع الأرض وهي امرأة عزلاء مع طفل رضيع ليس معها في وحشة مكة سوى ذلك اليقين أن الله لن يضيعها؟ لماذا أخذ ابراهيم وداود عليهما السلام زوجاتهم ليصلين في المسجد الاقصى في وقت لم يعتد ان تخرج النساء وقتها من بيوتهن كثيرا وكان يكفيهن الأداء في البيت؟ هل في الأمر رسالة أن المرأة هي ركن ركين في إقامة الشعائر وحمل الرسالات؟!
أهي مجرد أحداث نقرؤها في السيرة كتاريخ مضى دون اعتبار واسقاطات على حياتنا؟ أي تكريم أكبر للمرأة من هذا وأي دين أعطاها أكثر من هذا وأي حضارة بوأتها المقاليد بهذه الثقة والتقدمة؟ لماذا لا نجد الفقه مواكبا لهذه القراءات فنراه يظل يحكر على المرأة في قوقعة معينة ويقول هذا هوالدين؟! هل نحن بحاجة الى استرداد روحية فقدناها في قراءات لمدارس فقهية معينة تعاملت مع المرأة بفقه الحرملك المحتاج للحماية والابعاد؟ لا نقول لهم جدودا وان كان تجديد الدين سنة فالله يبعث لعباده من يجدد لهم دينهم بل نقول عودوا بنا الى الأصالة والنظر في مآلات الاحداث والنصوص فهناك بحق الحرية التي لا سقف لها سوى الايمان بالله
عندما يسألونكِ عن محلكِ من الإعراب فأجيبي بفخر الواثقة بدينها أنك امرأة ممنوعة من الصرف الا في سوق المولى حيث يشري الكرام أنفسهم ابتغاء رضوان الله، قولي أنا التي جعلني الله رحم انبثاق الحياة، أنا الطيبة التي أصحب الطيب زوجا وادخله الجنة أبا وأقربه من عرش الرحمن اختا ورحما، أنا امرأة فرعون صاحبة الطموح لم أرض بأي منزلة وإنما ببيت عند الله وبقربه سبحانه، أنا بلقيس الملكة الحكيمة، أنا امهات المؤمنين وكل واحدة منهن مدرسة وعلم في ميدان متميز، أنا الخنساء، أنا الشفاء، أنا رفيدة، انا ام حرام،انا مريم الاسطرلابية، انا شجرة الدر، أنا خنساء فلسطين ام نضال، انا الاستشهاديات، انا المرابطات …أنا كل هؤلاء اذا فقهت وعملتُ بما عملن
محلكِ في قلب القلب من صناعة الحدث في هذا الدين، لا تسمحي لأحد أن يقول لك غير ذلك فالله جعل لك قلبا وعقلا لتفهمي عنه سبحانه بشرط عدم اتباع الهوى، ورأي العلماء على فضلهم محترم ولكنه يبقى اجتهاد قد يخطىء ويصيب،وكم تغيرت الفتاوى في الاماكن والازمان مراعاة لأحوال العباد
لا تقبل بالاطراف بديلا عن المركز الا من ضعف دينها وضعفت همتها عن ادراك المعالي، ولقد قال سبحانه “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون” ليفتح الطريق أمامكِ لتكون الدنيا سلما للآخرة، وليكون العمل المتقبل والبصمة الخالدة عند أهل الأرض صيتكِ عند أهل السماء.

Next Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تابعونا على فيسبوك