عنصريتهم عقيدة دينية وليست نزعة فردية

يظن البعض أن ما نسمعه، بل ما نعيشه، من تصريحات ومواقف وممارسات استعلائية عنصرية من شخصيات يهودية دينية، أو حتى علمانية إنما هي مواقف شخصية، وأنها وليدة موقف أو ظرف يستفز هؤلاء فتخرج من أفواههم هذه التصريحات والأقوال. فكأن البعض يقول إن أصحاب هذه المقولات لا يرددونها ولا يقولونها في الوضع الاعتيادي ثم إنها حالات فردية ولا تمثل الجمهور اليهودي الواسع.

إن هذا الظن في غير محله. وإن الحقيقة أن ألسن هؤلاء تغرف مما في قلوبهم، وإن ما في قلوبهم هو وليد تربية ونشأة، بل إنه نتاج عقيدة نشأ عليها هؤلاء وكبروا على تعاليمها.

ترى هذا حينما يقف الحاخام الأكبر الشرقي “إسحاق يوسيف”؛ ابن المقبور عوفاديا يوسيف؛ زعيم حركة “شاس” ليقول في موعظة السبت في أحد أكبر الكنس في القدس “إن العرب لا مكان لهم هنا، وإن عليهم أن يرحلوا إلى السعودية، ولكن ولأنه لن يظل من يخدمنا نحن اليهود فإننا نسمح لهم بالبقاء، فهم خلقوا ليكونوا خداما لنا”….

وتجده حينما يقف عضو كنيست من حزب “البيت اليهودي” يدافع، بل يفتخر، بأن زوجته اشترطت ألا يشرف على عملية ولادتها في المستشفى طبيب عربي، بل ذهبت أكثر حينما طلبت تخصيص غرفة لا تشاركها فيها أم عربية قد ولدت في نفس المستشفى، وليتبين بعدها بأيام كيف أن العنصرية قد نخرت في جسد حتى المؤسسات الأكاديمية وليس في الكنس وبين المستوطنين فقط، حيث كُشف كيف يجري التفريق بين الطلاب العرب واليهود في أهم مؤسسة أكاديمية إسرائيلية “التخنيون”، والذي يصنف من أهم مائة جامعة في العالم…

لن نطيل.. قائمة الامثلة والنماذج وسيل الحقد والعنصرية تنفث به صدور، وتتشدق به ألسن إسرائيليين ويهود، لأنها أكثر من أن تحصى أو أن تحصر في قائمة، ولكن إذا كان هذا فعل الحاخامات والسياسيين والأكاديميين، فلا عتب على زعران سوق الكرمل، ولا شبيحة حزب الليكود وبلطجية البيت اليهودي وسفلة ليبرمان.

ولكن ولئلا يظل السيد ريفلين رئيس الدولة، أو غيره يحاولون الترقيع عبر بعض التصريحات أو اللقاءات يجمع فيها شخصيات سياسية ودينية مختلفة يدعو فيها إلى الاحترام المتبادل، وهي التي يصدقها مع الأسف البعض منا، كتلك التي صدرت الأسبوع الماضي، حينما التقى عددا من رجال الدين من كافة الطوائف، وصدر عنهم بيان يدعو لعدم شحن الأجواء خلال عيد فصح اليهود، الذي سيبدأ غدا السبت، حيث فهم من البيان، بل أريد منه أن يكون رسالة لنا نحن المسلمين بألا نعكر مزاج من سيقتحمون الأقصى من اليهود وللصلاة فيه، وإلا فإننا سنعتبر في نظرهم مشاغبين وأننا نشحن الأجواء.

أقول لئلا يظل السيد ريفلين يحمل طفاية لإطفاء آثار مواقف وتصريحات يظن البعض أنها شخصية، وأن رئيس الدولة بنفسه يرفضها، فتعالوا نقف على نصوص دينية لا تحمل إلا معنى واحدا في دلالته على ما قال الحاخام إسحاق يوسيف من أننا في عقيدتهم خلقنا لخدمتهم، وأننا في مواقف زوجة عضو الكنيست التي رفضت النوم في غرفة مشتركة مع امرأة عربية في المستشفى، لأننا في عقيدتها أنجاس ويجب أن تبتعد عنا فلا تلمسنا ولا نلمسها، فهي إذًا عقيدة دينية وليست مواقف شخصية.

يقول الأستاذ عمر أمين مصالحة في كتابه “اليهود، ديانة توحيدية أم شعب مختار” ص 43: (هناك أيضا النزعة الحلولية المتطرفة التي ترتكز على التمييز الحاد والقاطع بين اليهود كشعب مختار أو الشعب المقدس الذي يحل فيه الإله من جهة، مقابل الشعوب الأخرى التي تقع خارج دائرة القداسة من جهة أخرى. فقد جاء في سفر “أشعياء”؛ إصحاح 61/6-5 : “ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حرّاثيكم وكرّاميكم, أما أنتم فتُدعَوْن كهنة الرب، تسمون خدام إلهِنا, تأكلون ثروات الأمم وعلى مجدهم تتآمرون”.

وجاء في سفر “ميخا”؛ إصحاح 4/13: (قومي ودوسي يا بنت صهيون لأني أجعل قرنك حديدا وأظلافك أجعلها نحاسا فتسحقين شعوبا كثيرين، وأحرّم غنيمتهم للرب وثروتهم لسيد كل الأرض”.

هكذا إذًا بكل وضوح وبلا مواربة! فاليهود خدام الإله، وكل شعوب الأرض خدام لهم، تحت تصرفهم ثروات وخيرات، وأموال شعوب الأرض مباحة لهم، ليوصلنا هذا إلى تفسير سر سيطرة اليهود على أهم البنوك العالمية واهتمامهم بعالم المال والبورصات والذهب، بما فيه من ربا وظلم للأفراد والشعوب، لأن العقيدة في نفوسهم أن هذا من عطاء الله لهم، وأن أموال الأغيار مباحة لهم. نعم، إن كل الناس خدام لهم، كما قال إسحاق يوسيف، وكما ورد في سفر “أشعياء”، حيث لم يكن هذا فهما شخصيا ولا رأيا لإسحاق يوسيف، وإنما عقيدة ودين يدينون به.

وأما موقف عضو الكنيست من “البيت اليهودي”، الذي تبنى موقف زوجته التي رفضت أن يعالجها طبيب عربي وألا تبيت معها في نفس الغرفة امرأة عربية مسلمة، إنه ليس الخوف، ولا طبيعة النشأة، ولا الظروف السياسية التي يجعل الأطراف تتباعد أكثر وأكثر. أبدا.. لا، وإنما هي قناعات منبعها ومنشؤها من الدين وتعاليمه، ومن التوراة وتفسيراتها التي تعتبر أن اليهود هم أطهر أهل الأرض، وأن غيرهم أنجاس يجب تجنبهم لئلا تصل نجاسة شعوب الأرض إلى أطهر شعوب الأرض.

يقول الأستاذ عمر أمين مصالحة في كتابه “اليهود ديانة توحيدية أم شعب مختار” ص 46: (وحمّام الطهارة هو الحمام الذي يستخدم ليتطهر فيه اليهود بعد أن تنجسوا، وحتى يكون الحمّام شرعيا يجب أن يحتوي على ماء يكفي لتغطية جسد امرأة متوسطة الحجم، ويجب أن يأتي الماء من عين أو نهر، ولا يبيح الشرع لليهود المتدينين أن يسكنوا في مكان لا يوجد فيه حمّام طقوسي، ويتعين على المرأة اليهودية أن تأخذ حماما طقوسيا بعد الدورة الشهرية. وقد جاء في إحدى الصياغات الحاخامية المتزمتة أن على مثل هذه المرأة، وهي في طريقها إلى المنزل أن تحذر مقابلة فرد من الأغيار أو خنزير أو كلب أو حمار. وإن قابلت أيا منها فعليها أن تغير طريقها، لأنه سيدنسها مرة أخرى).. انظروا إذًا كيف يجري الجمع بين الخنزير والحمار والكلب وبين كل من هو غير يهودي، وأن هؤلاء نجسون يمكن أن يدنسوا المرأة اليهودية من شعب الله المختار لمجرد أن تقابله في الطريق وتقع عينها عليه، حتى لو لم تلمسه. إن الخنزير والكلب والحمار- عندهم- في نفس مرتبة أي إنسان غير يهودي؟!

فهل كان موقف زوجة عضو الكنيست الحاخام بتسلئيل من حزب “البيت اليهودي” مجرد نزوة شخصية، أو تشنج فردي، أو تطرف ذاتي، أو استعلاء نابع من كراهية شخصية؟ لا! إنه موقف ديني عقائدي يرى في الطبيب العربي أنه نجس، وفي المرأة العربية أنها نجسة، والاقتراب من أي منهما يعني تدنيس وتنجيس رمز الطهر والنقاء؛ تلك اليهودية من شعب الله المختار.

 

وسيظل هو المسجد الأقصى وإلى الأبد

ويقدر الله تعالى أن يأتي قرار “اليونسكو” بأن المسجد الأقصى هو حق خالص للمسلمين، تحديدا في هذه الأيام التي يعيش فيها الأقصى أحلك الظروف. فها هي انتفاضة القدس المستمرة منذ اقتحامات عيد رأس السنة العبرية نهاية شهر أيلول 2015. وها هو موسم الاقتحامات الجديد متزامنا مع عيد الفصح، حيث الدعوات الجماعية لاقتحام المسجد الأقصى وإقامة الصلوات والشعائر الدينية فيه.

أقول: لقد جاء قرار “اليونسكو” بعد انتفاضة القدس، تماما كما جاء تقرير لجنة “شاو” البريطانية التي تشكلت بعد ثورة البراق عام 1928، حينما أراد اليهود الصلاة بجانب حائط البراق، فرفض المسلمون ذلك، وكانت المواجهات التي تطورت إلى ثورة عارمة امتدت من القدس حتى وصلت إلى الخليل جنوبا، وإلى يافا وطبريا وصفد شمالا. وعندها كلّفت الحكومة البريطانية لجنة برئاسة “اللورد شاو”، وكان تقريرها يشير بشكل قطعي إلى أن حائط البراق هو جزء من المسجد الأقصى المبارك، وأنه ليس من بقايا ما زُعم أنه الهيكل الثاني. إنها ثورة البراق يومها، وأنها انتفاضة القدس اليوم، وإنه المسجد الأقصى يومها واليوم وإلى الأبد.

يقف نتنياهو وبكل صلف ليكيل الاتهامات لـ”اليونسكو”، ويؤكد أن مكان المسجد الأقصى المبارك كان هيكلٌ خرافي مزعوم، الأمر الذي معناه الاستمرار في مخططات التهويد والحفر والعمل، في انتظار الفرصة التاريخية لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم مكانه.

إنه نتنياهو الذي راح يهدد ويتوعد الشيخ رائد صلاح؛ رئيس الحركة الإسلامية، لأنه حسب زعمه يسعى لإشعال المنطقة، وإذا به يطالب بسجن الشيخ رائد، لا بل إنها الدعوة الصريحة للتخلص منه بكل وسيلة ممكنة، ما يعني إهدار دمه والدعوة المفتوحة للاعتداء عليه من سوائب وعصابات شعب الله “المختار”. ولم يمضي أكثر من أسبوع على مطالبة نتنياهو بسجن الشيخ رائد حتى استجابت المحكمة العليا برد التماس من محامي الشيخ رائد، وقضت بسجنه تسعة أشهر، في دليل قطعي على عدم نزاهة القضاء.

إن الاقتحامات الجماعية، والدعوة لذبح القرابين، وإقامة الصلوات والشعائر الدينية، وإن اعتقال خطيب المسجد الأقصى فضيلة الشيخ محمد سليم بعد خطبة الجمعة قبل الماضية، وإن اعتقال عشرات النسوة وعشرات الرجال من كبار السن، وإصدار أوامر إبعاد لهم عن المسجد الأقصى؛ كل ذلك يشير إلى النية السيئة والشريرة التي يخطط من خلالها نتنياهو لخلق واقع جديد في المسجد الأقصى المبارك.

يبدو أن نتنياهو بعقلية البلطجي الذي لا يفكر إلا بعضلاته أو عصاه أو سكّينه أو مسدسه، وبعقيدة الاستعلاء والاستكبار على كل شعوب الأرض وزعماء الدول، راح يتحدث عن “اليونسكو” وعن 36 دولة صوتت لصالح القرار بأنها (أي الينوسكو) ومن تمثلها قد وصلت إلى أسفل وضع لم تصل إليه من قبل.

فإذا كانت العنجهية والاستكبار، وعقلية شعب الله المختار تجعل هؤلاء يقتنعون أن العالم خدام لهم، بل أن غير اليهود هم نجس، وأن الطهر والنقاء ليس إلا في عرقهم ودينهم، إذًا فلماذا لا يديرون الظهر لهؤلاء الأغيار الذين صدر عنهم القرار؟ ولماذا لا يصفونهم بكل الصفات السلبية ويسخرون من قراراتهم؟

يبدو أن أجواء عيد الفصح التي يعيشها اليهود هذه الأيام، والتي فيها يعزمون على استباحة المسجد الأقصى المبارك، جعلت هؤلاء لا يتعلمون من التاريخ، وكيف أن الله سبحانه قد نجاهم من ظلم فرعون وطغيانه، وإذا بهم يمارسون الظلم والطغيان ضد شعبنا وأمتنا. إنه أمر عجيب أن يصبح المظلوم ظالما، وأن يتحول المقهور إلى طاغية، ولا يتنبه إلى أنّ لله نواميس وقوانين لا يجامل بها أحدا، من إن القوي لن يبقى قويا إلى الأبد. وإن الضعيف لن يظل ضعيفا إلى الأبد. وتلك الأيام نداولها بين الناس، وإن غدا لناظره قريب.

Next Post

تابعونا على فيسبوك